وأقام ببغداد عشر سنين ، واشتغل بالفقه والنحو والخلاف ، ورجع ، وكان يتكلم في مسائل الخلاف كلاما حسنا ، ثم سافر بعد مدة إلى أصبهان في طلب الحديث ، ولقوا شدة من الغلاء والجوع ، ثم رجع إلى بغداد ، وأقام بها يقرأ شيئا من الفقه واللغة على الشيخ أبي البقاء ، ثم عاد إلى دمشق . وكان يقرأ الحديث للناس كل ليلة جمعة في مسجد دار البطيخ بدمشق ، - يعني مسجد السلالين - وانتفع الناس بمجالسته ، ثم إنه انتقل إلى الجامع [ الأموي ] إلى موضع والده ، فكان يقرأ يوم الجمعة بعد الصلاة في حلقتنا ، وسبب حصول ذلك أنه لما جاء حنبل « 1 » من بغداد ، أراد الملك المعظم أن يسمع « المسند » عليه ، فقرأ له بعض المحدثين ، وكان « المسند » يقرأ عندنا وفي المدينة ، وكان العز - رحمه اللّه - يقرأ ويحضر عندنا جماعة من أهل المدينة ، منهم العلم الرّقي إمام الملك ، فمضى إليه ، وقال : إن كنت تريد قراءة مليحة عاجلة ، فما يقرأ أحد مثل هذا الذي في الجبل ، فقال : تجيء به ، فجاء الإمام إلى العز ، فقال له : ما لي في هذا رغبة ، وأنا رجل خامل الذكر ، وما بيني وبين أحد عداوة ، وأخاف من المخالفين ، فقال : هذا لا نخاف منه ، ما يحضر إلا الملك والشيخ وأنت وأنا ، فاستشار المشايخ ، فقال له شيخنا موفق الدين : إن كنت تمضي للّه فامض ، وإن كنت تمضي لطمع الدنيا فلا تفعل ، فاستخار اللّه ومضى ، فلما سمع الملك قراءته أعجبته كثيرا ، وخلع عليه وأحبّه ، وسأله عن أشياء في الحديث فأجابه ، ورأى منه ما لم ير من غيره ، وكان بعد ذلك مهما طلب منه لا يكاد يردّه ، فطلب منه الجلوس مكان أبيه ، فأذن له ، وطلب منه مكانا في القدس لأصحابنا يصلّون فيه فأعطاه مهد عيسى ، وكنا نسمع « المسند » فقال بعض الحضور من المدينة : ما رأيت مثل هذه القراءة ، مثل الماء ، أو قال :
مثل السيف .
هامش
( 1 ) هو حنبل بن عبد اللّه الرصافي « راوي مسند الإمام أحمد » وهو شيخ الضياء أيضا ، وقد وردت ترجمته في هذه المشيخة .