القيامة غدا غمّه ؛ ومن خاف ما بين يديه ، ضاق ذرعا بما لديه ؛ ومن خاف الوعيد ، لها من الدّنيا عمّا يريد ؛ يا مسكين إن كنت تريد لنفسك الجزيل ، فلا تنامنّ الليل ولا تقيل ؛ اقبل من الحبيب النّاصح ، إذا أتاك بأمر واضح ؛ لا تهتّمنّ بأرزاق من تخلّف ، فلست بأرزاقهم تكلّف ؛ وطّن نفسك للمقال ، إذا وقفت بين يدي ربّ العزّة للسؤال ؛ قدّم صالح الأعمال ، ودع عنك كثرة الاشتغال ؛ بادر ثم بادر ، قبل نزول ما تحاذر ، إذا بلغت روحك التّراقي ، وانقطع عنك من أحببت أن تلاقي ، فكأني بها وقد بلغت الحلقوم ، وأنت في سكرات الموت مغموم ، وقد انقطعت حاجتك إلى أهلك ، وأنت تراهم حولك ، وأنت مرتهن بعملك ؛ [ الصّبر ملاك الأمر ، وفيه أعظم الأجر ] فاجعل ذكر اللّه عزّ وجلّ شأنك ، واملك في سوى ذلك لسانك .
ثم قال : أوّه من يوم يتلجلج فيه لساني ، ويتغيّر فيه لوني ، ويجفّ ريقي ، ويقلّ زادي . ثم بكى بكاء شديدا . فقلت : يا أبا معاوية ، من قال هذا الكلام ؟
قال : قاله حكيم من الحكماء .
* أخبرنا أبو العزّ بدنيسر ، قال : قرئ على أبي عبد الرحمن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخطيب المروزي الكشميهني « 26 » بحلب وأنا أسمع ، أخبرنا أبو المظفّر عبد المنعم « 27 » بن الأستاذ الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري ، قال : أنشدني والدي الإمام أبو القاسم « 28 » لنفسه « 29 » : [ من الخفيف ]
هامش
( 26 ) الخطيب المروزي : من أهل مرو ، حدّث بصحيح مسلم وغيره ، توفي سنة 578 ه . ( الوافي بالوفيات 1 / 165 ) .
( 27 ) عبد المنعم ، نشأ في حجر أخيه ، وحدّث وعقد مجلس التذكير مدة حياة والده ، توفي سنة 532 ه . ( طبقات الشافعية للأسنوي 2 / 318 ) .
( 28 ) الإمام أبو القاسم القشيري : عبد الكريم بن هوازن ، لسان عصره ، وسيد وقته ، أستاذ الجماعة ، توفي سنة 465 ه . ( طبقات الشافعية للأسنوي 2 / 313 ، والسبكي 3 / 243 ) .
( 29 ) الأبيات في طبقات الشافعية للسبكي 3 / 248 .