أجلس عندهم ، فأمسك ملك بيدي ، ومنعي عنهم ، وقال : لست أنت منهم ؛ فإنّهم قوم لم يكن لهم غير قميص . فانتبهت ، وألزمت نفسي بأن لا ألبس صيفا وشتاء إلّا قميصا .
نقل أن أبا محمد الجريري رحمه اللّه كان مشغولا بالوعظ ، إذ قام شابّ وقال : يا شيخ ، ضاع قلبي عنّي ، فادع اللّه لعلّه يردّه عليّ . فقال الجريري :
ونحن أيضا في هذه المصيبة .
ونقل أنه قال : أهل القرن الأول كانوا يعاملون بالدّين ، فلمّا انتقلوا ، اختلّ أمر الدّين ، وأهل القرن الثاني معاملتهم بالوفاء ، فلمّا ذهبوا قلّ الوفاء ، والقرن الثالث أهله عاملوا بالمروءة ، فلمّا ارتحلوا ما بقيت المروءة ، وأهل القرن الذين بعدهم عاملوا بالحياء ، فذهب الحياء بذهابهم ، والناس في زماننا يعاملون بالهيبة .
وقال : من استولت عليه النفس صار أسيرا في حكم الشهوات ، محصورا في سجن الهوى ، وحرّم اللّه على قلبه الفوائد ، فلا يستلذّ بكلام الحقّ ، ولا يستحيله « 1 » وإن كثر ترداده على لسانه ، لقوله تعالى :
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
[ الأعراف : 146 ] .
وقال : من لا يلتذّ بكلام الحقّ ، فلا جرم أنّه لا تستجاب له دعوة .
سئل [ عن الصبر والتصبّر ] ، فقال : [ التّصبّر ] هو معاينة الاضطرار ، والصبر هو أن لا تفرّق بين حال النّعمة والمحنة ، وتجد اطمئنان نفسك في الحالتين « 2 » .
وقال : الإخلاص ثمرة اليقين ، والرياء ثمرة الشكّ .
وقال : العزلة هي الخروج عن كلّ تعب ، وكتمان السرّ إن لم يرحم عليك .
وقال : دوام الإيمان ، ومحافظة الدين ، وصلاح الجسد في ثلاثة : الاكتفاء بما رزقه اللّه تعالى ، والاحتراز عمّا نهى اللّه تعالى ، وتقليل الغذاء .
هامش
( 1 ) في الأصل : ولا يستحيله .
( 2 ) الرسالة القشيرية 288 ( الصبر ) ، مناقب الأبرار 513 وما بين معقوفين مستدرك منهما .