له أبو بكر الكتاني : كيف أطقت على ما فعلت ؟ قال الجريري رحمه اللّه : صدق الباطن وافقني حتى حصلت لي قوّة في الظاهر .
ونقل أنه قال : اتّفق لي أن رأيت مرّة طيرا أبيض ، فنهضت لاصطياده أربعين سنة فما وجدته . قيل : وكيف كان ؟ قال : صلّيت الظهر يوما من الأيام ، إذ جاء إلينا في الخانقاه فقير حاف أشعث رثيث الحال ، فتوضّأ وصلّى ركعتين ، وأدخل رأسه في جيبه ، وكان في تلك الليلة دعوة عند الخليفة للصوفية ، وجاء رسول من الخليفة يدعونا إليه ، فذهبت إلى الفقير ، وعرضت عليه الحال ، والتمست منه أن يوافقني في الذهاب ، فرفع رأسه ، وقال : ليس لي الليلة مجال صحبة الخليفة ، لكن أشتهي عصيدة ، فإن حصلت لي فيها ، وإلّا فأنت في خير . وجرّ رأسه في جيب خرقته ، قال الجريري : قلت في نفسي : هذا لا يوافق الفقراء ، ويشتهي مراد النفس ، فلعلّه قريب العهد بالإسلام . فتركته ، وذهبنا إلى الخليفة ، وجرى ما جرى ، ثم رجعنا ، والفقير بحاله ومراقبته ، فلمّا نمت رأيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في المنام ، ومعه شيخان ، وخلفه خلق كثير ، فسألت شخصا عن الشيخين ، فقال : أحدهما إبراهيم ، والأخر موسى عليهما السلام ، والخلق هم جميع الأنبياء والمرسلين . فذهبت إلى النبيّ عليه السلام ، وسلّمت عليه ، فلم يلتفت إليّ ، وأعرض عنّي ، فقلت : يا رسول اللّه ، ما ذنبي حتى أنّك تعرض عنّي بوجهك المبارك ؟ فقال عليه السلام : لأنّ وليّا من أوليائنا نزل بك ، واشتهى عصيدة ، وطلبها منك ، وأنت بخلت بها . قال : فانتبهت من النوم باكيا ، فسمعت صرير الباب ، فإذا الفقير قد خرج ، فتبعته وقلت : يا عزيز ، ارجع وتوقّف لحظة حتى نصنع لك عصيدة . فالتفت إليّ وقال : أستحيي أن أستشفع بجميع الأنبياء والمرسلين وسيّدهم محمد عليهم السلام في تحصيل شهوة للنفس . وذهب وما رجع .
نقل عن أبي محمد الجريري رحمه اللّه أنه قال : كان فقير في جامع بغداد يكتفي بقميص واحد في الصيف والشتاء ، فسئل عن حاله ، فقال : رأيت في المنام أنّي دخلت الجنّة ، ورأيت فيها جماعة على مائدة ، فقصدتهم ، وأردت أن
تذكرة الأولياء — صفحة 671
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٦٧١