الخمّار أنّي فعلت ذلك من تلقاء نفسي ، فأخذني ، وذهب بي إلى ابن طولون ، وضربوني مئتي جلدة ، وحبسوني ، وبقيت في السجن مدّة إلى أن جاء الشيخ أبو عبد اللّه المغربي ، وشفع فيّ ، وأخرجوني من السجن ، وأطلقوني ، فقال الشيخ : كيف وقعت في هذه الواقعة ؟ قلت : أكل العدس ، وضرب المئتين ، والسجن . فقال الشيخ رحمه اللّه : اذهب ، فإنّك خلصت مجّانا .
نقل أنه قال : كانت نفسي تشتهي لقمة من اللحم المشويّ ستين سنة إلى أن قويت الشهوة ، وعظمت الرغبة ، وفني الصبر ، ويوما شممت رائحة الشويّ ، فتضرّعت النفس ، وطلبت ، وأمرتني بأن أذهب خلف الرائحة ، وأحصّل شيئا من الشواء ، فذهبت ، فإذا إنسان يعاقب بالكيّ ، والرائحة إنّما كانت من ذلك الكيّ ، ففزعت نفسي ، ورضيت بالحرمان ، وقنعت بالسلامة .
نقل أنه قال : كلّما كنت أحجّ البيت - شرّفه اللّه تعالى - كنت أولا أزور روضة النبيّ عليه السلام ، وبعد الحجّ كنت أرجع إلى المدينة ، وأزورها ثانيا ، وفي كلّ نوبة أقول : السلام [ عليك ] يا رسول اللّه ، وأسمع من الروضة الشريفة :
عليك السلام يا بن شيبان .
ونقل أنه قال : دخلت الحمام يوما ، وشرعت أصبّ الماء على جسدي ، فإذا أنا بشابّ جميل مثل البدر من زاوية الحمام ، صاح عليّ ، فقال : كم تصبّ الماء على ظاهرك ، فاصبب نوبة على باطنك . فقلت : أجنّيّ أنت أم أنسيّ بهذا الجمال ؟ قال : لا ، بل أنا النقطة التي تحت الباء من : بسم اللّه . قلت : لك هذه المملكة ؟ قال : يا إبراهيم ، اخرج من أنّيّتك ، فتر مملكة ما ترى مثلها .
نقل من كلامه قال : علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية وصحّة العبودية ، وما سواهما فيوقع الإنسان في الغلط والزندقة .
وقال : من أراد أن يصير حرّا عن الكون ، فليعبد اللّه بالإخلاص ، فإنّ من تحقّق في عبودية فلا شكّ أنه يصير حرّا عمّا سواه .
وقال : من تكلّم في الإخلاص وهو غافل عن النفس ، فاعلم أنّ اللّه تعالى سيبتليه بشيء يفضحه بين أقرانه .
تذكرة الأولياء — صفحة 675
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٦٧٥