تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة الأولياء — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
يلتفت إليكنّ . ثم اعتذرن إليه ما وقع من التقصير ، قال : قلت : إن أنزل الجنة يكون كذلك . أقول : مراده أنه لا يقنع بالجنّة ، ولا يرضى بها ؛ بل يطمع في منزلة أعلى من الجنة ، وهي المشار إليها بقوله تعالى :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر : 55 ] رزقنا اللّه تعالى بلطفه وكرمه . واللّه أعلم . قال ابن الجلاء رحمه اللّه : صحبت ست مئة شيخ ما لقيت فيهم مثل أربعة ، أوّلهم : أبو تراب النخشبي « 1 » . وقال : دخل أبو تراب رحمه اللّه مكّة طيّب النفس ، فقلت : أين أكلت ؟ قال : أكلت بالبصرة ، وبالنّباج « 2 » ، وهاهنا . نقل أنه كان إذا رأى من أصحابه ما يكرهه زاد في اجتهاده ، وجدّد توبته ، ويقول : بشؤمي دفع إليه ما دفع ، لأنّ اللّه تعالى يقول :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
[ الرعد : 11 ] . وكان رحمه اللّه يقول لأصحابه : من لبس منكم المرقعة فقد سأل ، ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل ، ومن قرأ القرآن كما يسمعه الناس فقد سأل . أقول : يعني إذا فعل هذه الأشياء فقد أبطل توكّله ، لأنّ ذلك يوهم أنّه يحتاج له الناس ، ومع ذلك يظهر احتياجه للناس ، وذلك خلاف التوكّل . واللّه أعلم . نقل أن أبا تراب نظر يوما إلى صوفيّ من تلاميذه مدّ يده إلى قشر بطيخ ، وقد طوى ثلاثة أيام ، فقال : تمدّ يدك إلى قشر بطيخ ! لا يصلح لك التصوّف ، الزم السوق . وقال : بيني وبين اللّه تعالى عهد أن لا أمدّ يدي إلى حرام إلّا قصرت يداي عنه .
هامش
( 1 ) والثلاثة الأخرون هم : أبو يحيى الجلاء ، وأبو عبيد البسري ، وذو النون المصري . طبقات الشافعية 2 / 307 ، وانظر طبقات الصوفية 147 . ( 2 ) النّباج : موضع على عشر مراحل من البصرة . معجم البلدان .