يلتفت إليكنّ . ثم اعتذرن إليه ما وقع من التقصير ، قال : قلت : إن أنزل الجنة يكون كذلك .
أقول : مراده أنه لا يقنع بالجنّة ، ولا يرضى بها ؛ بل يطمع في منزلة أعلى من الجنة ، وهي المشار إليها بقوله تعالى :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر :
55 ] رزقنا اللّه تعالى بلطفه وكرمه . واللّه أعلم .
قال ابن الجلاء رحمه اللّه : صحبت ست مئة شيخ ما لقيت فيهم مثل أربعة ، أوّلهم : أبو تراب النخشبي « 1 » .
وقال : دخل أبو تراب رحمه اللّه مكّة طيّب النفس ، فقلت : أين أكلت ؟
قال : أكلت بالبصرة ، وبالنّباج « 2 » ، وهاهنا .
نقل أنه كان إذا رأى من أصحابه ما يكرهه زاد في اجتهاده ، وجدّد توبته ، ويقول : بشؤمي دفع إليه ما دفع ، لأنّ اللّه تعالى يقول :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
[ الرعد : 11 ] .
وكان رحمه اللّه يقول لأصحابه : من لبس منكم المرقعة فقد سأل ، ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل ، ومن قرأ القرآن كما يسمعه الناس فقد سأل .
أقول : يعني إذا فعل هذه الأشياء فقد أبطل توكّله ، لأنّ ذلك يوهم أنّه يحتاج له الناس ، ومع ذلك يظهر احتياجه للناس ، وذلك خلاف التوكّل . واللّه أعلم .
نقل أن أبا تراب نظر يوما إلى صوفيّ من تلاميذه مدّ يده إلى قشر بطيخ ، وقد طوى ثلاثة أيام ، فقال : تمدّ يدك إلى قشر بطيخ ! لا يصلح لك التصوّف ، الزم السوق .
وقال : بيني وبين اللّه تعالى عهد أن لا أمدّ يدي إلى حرام إلّا قصرت يداي عنه .
هامش
( 1 ) والثلاثة الأخرون هم : أبو يحيى الجلاء ، وأبو عبيد البسري ، وذو النون المصري . طبقات الشافعية 2 / 307 ، وانظر طبقات الصوفية 147 .
( 2 ) النّباج : موضع على عشر مراحل من البصرة . معجم البلدان .