وحصل لي فيها لذّة عظيمة ، وذكرت ذلك للشيخ أبي سليمان ، قال : أنت رجل ضعيف ، ولك نظر إلى الخلق ، ولذا حالك في الخلوة غير حالك في الملأ ، والمخلص ينبغي أن يكون حاله في الخلا والملا على سنن واحد ، ومن غاية استغراقه لا يكون ملتفتا إلى الخلق .
قال أبو سليمان : بتّ ليلة في مسجد ، وكان البرد قويّا ، ففي وقت الدّعاء غطّيت إحدى يدي في الكمّ ، ودعوت اللّه تعالى ، ثم غلبني النوم ، صاحني هاتف : يا أبا سليمان ، أعطيت نصيب اليد التي كانت خارجة ، ولو كانت الأخرى بارزة مكشوفة لأعطينا نصيبها . قال : ثم حلفت باللّه أن لا أدعو اللّه تعالى في حرّ أو برد إلّا وتكون يداي مكشوفتين .
قال : سبحان الذي وضع لطفه في مخالفتنا لاختياره .
قال : اتّفق لي أن نمت عن وردي نوبة ، فرأيت في المنام حوراء تقول لي :
تنام عن وردك ، وأنا أربّى لك في الخدور منذ خمس مئة عام ! ؟
وقال : رأيت ليلة في المنام حوراء تنظر إليّ من طرف وتبتسم ، ويشرق وجهها نورا بحيث لا يمكن وصفه ، قلت لها : من أين لك هذا الجمال ؟ قالت :
أمطرت ليلة قطرات من العبرة « 1 » ، فغسل بها وجهي ، فحصل هذا النور والضياء .
قال : كان لي صديق يعطيني ما أسأل عنه ، فقال نوبة حين سألت شيئا : كم تسأل ! فتركت صداقته .
أقول : لأنّ الصداقة لا ينبغي أن تتحقّق إلّا مع أحد لا يعجز عن قضاء حوائجك ، ولا يضيق قلبه عن طلباتك ، وإلّا فلا يصلح للصداقة ، ومن لا يعجز عن سؤال السائلين ، ولا تضيق خزانته عن طلبات المستحقين إنّما هو اللّه عزّ وجل ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) في ( أ ) كتب تحت كلمة ( العبرة ) : العين وانظر صفحة 367 .