أعيرك ثوبي لتلبس ، وتحضر المجلس ؟ لم يقبل . قال : فلا أرجع حتّى تدبّر تدبيرا . قال الشيخ : أنسخ كتابا ، اذهب واشتر بثمنه ثوبا . قال : من الكتان ؟
قال : بل اشتر لي من ثوب البطانة عشرة أذرع لأجعل الخمسة إزارا ، والخمسة قميصا ، وهذا يكفيني .
نقل أن له تلميذا من قديم الأيام طرده وهجر عنه ؛ لأنّه رآه قد سيّج حول بابه من الخارج ، قال : أخذت من حقّ الناس قدر ظفر ، لأنّك ضيّقت الطريق مقدار السياج ، والطريق الشارع حقّ جميع الناس ، فإذا ما عملت بهذه المسألة لا ينبغي لك تحصيل العلم .
نقل أنه رحمه اللّه رهن سطلا عند سوقيّ ، مضى إليه اليوم ، وأدّى الدّين ، وطلب السطل ، جاء السوقيّ بسطلين ، وقال : خذ منهما الذي لك . فما عرف سطله يقينا ، وترك سطله أيضا للسوقيّ وأعرض عنه .
نقل أنه يشتاق إلى عبد اللّه بن المبارك زمانا ، ويحبّ أن يجتمع به ، ويحترق في فراقه ، فاتّفق أن جاء عبد اللّه بن المبارك زائرا له ، ودخل عليه ابنه وقال :
يا أبي ، جاء عبد اللّه ، قم إليه والتق به . فلم يقبل ، وامتنع عن الاجتماع به ، وقال ابنه : هذا عجيب ، أنت إلى اليوم كنت مشتاقا محترقا في الشوق ، فإذا جاء إليك متمنّاك لم لا تجيء إليه ؟ قال أحمد رحمه اللّه : يا ولدي ، كنت في هذا الاشتياق عمرا طويلا ، وإنّي أخاف إن التقيت به ، وصرت ملتذّا بصحبته أستأنس به ، يتعوّد به ناظري ، وحينئذ يشقّ عليّ مفارقته ؛ فإنّي أحبّ أن يمضي عمري في اشتياقه ، لعلّ اللّه يجمعنا وإيّاه في مكان لا يكون بعده فراق .
وله كلمات عالية في المعاملات - أي معاملات العبد مع نفسه ومع غيره ومع الحقّ واللّه أعلم - فإذا جاء إليه سائل ، وسأله عن المعاملة ، كان يجيب عن سؤاله ، ويشرح له ، وإن سأل في علم الحقيقة ، كان يحيله على بشر الحافي رضي اللّه عنه .
قال : سألت اللّه تعالى أن يفتح عليّ بابا من الخوف ، ففتح حتّى كاد يزول
تذكرة الأولياء — صفحة 280
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٢٨٠