روّعت قلبي بالفراق فلم أجد * شيئا أمرّ من الفراق وأوجعا
حسب الفراق بأن يفرّق بيننا * ولطالما قد كنت منه مفزّعا
قال : فلم أتمالك أن أتيت الكعبة مستخفيا ، فلما أحسّ بي جلّل الخمار « 1 » عليه ، ثم قال : يا ذا النون ، غضّ بصرك ، فإنّي حرام . فعلمت أنّها امرأة .
فقلت : واللّه لقد شغلني قولك عن كثير ممّا كنت فيه . فقالت : ولم عافاك اللّه ؟
أما علمت أنّ للّه عبادا لا يشغلهم سواه ، ولا يميلون إلى ذكر غيره « 2 » .
رحمة اللّه عليهم .
* * * وقال ذو النّون : كنت في الطّواف فسمعت صوتا حزينا ، وإذا بجارية متعلّقة بأستار الكعبة وهي تقول :
أنت تدري يا حبيبي * من حبيبي أنت تدري
ونحول الجسم والدّم * ع يبوحان بسرّي
يا عزيزي قد كتمت ال * حبّ حتى ضاق صدري
قال ذو النّون : فشجاني ما سمعت ، حتى انتحبت وبكيت . وقالت :
إلهي وسيّدي ومولاي ، بحبّك لي إلّا غفرت لي . قال : فتعاظمني ذلك ، وقلت : يا جارية ، أما يكفيك أن تقولي بحبّي لك ؟ فقالت : يا ذا النون ، أما علمت أنّ للّه عزّ وجلّ قوما يحبّهم ويحبّونه « 3 » ؟ فسبقت محبّته لهم . فقلت :
من أين علمت أنّي ذو النّون ؟ فقالت : يا بطّال ، جالت القلوب في ميدان
هامش
( 1 ) في ( أ ) : « جلل بخمار » .
( 2 ) صفة الصفوة 4 / 416 ، 417 .
( 3 ) في صفة الصفوة : « أما علمت أن للّه تعالى قوما يحبهم قبل أن يحبوه ؟ أما سمعت اللّه عزّ وجل يقول :فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ[ المائدة : 54 ] فسبقت . . .