وجسم نحيل من شجى لاعج الهوى * فمن ذا يداوي المستهام من الضّنى
ولا سيّما والحبّ صعب مرامه * إذا عطفت عنه العواطف بالغنا « 1 »
* * * وقال الجنيد : حججت على الوحدة ، فجاورت بمكة ، فكنت إذا جنّ الليل دخلت الطّواف ، فإذا أنا بجارية تطوف وتقول :
أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمته * فأصبح عندي قد أناخ وطنّبا
إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكره * وإن رمت قربا من حبيبي تقرّبا
ويبدو فأفنى ثم أحيا به لم * فيسعدني حتى ألذّ وأطربا
قال : فقلت لها : يا جارية ، أما تتّقين اللّه تعالى ، في مثل هذا المكان تتكلّمين بمثل هذا الكلام ! فالتفتت إليّ وقالت : يا جنيد :
لولا التّقى لم ترني * أهجر طيب الوسن
إنّ التّقى شرّدني * كما ترى عن وطني
أفرّ من وجدي به * فحبّه هيّمني
ثم قالت : يا جنيد ، تطوف بالبيت أم بربّ البيت ؟ فقلت : أطوف بالبيت . فرفعت رأسها إلى السماء ، وقالت : سبحانك ، سبحانك ! ما أعظم مشيئتك في خلقك ! خلق كالأحجار ! ثم أنشأت تقول :
يطوفون بالأحجار يبغون قربة * إليك وهم أقسى قلوبا من الصّخر
وتاهوا فلم يدروا من التّيه من هم * وحلّوا « 2 » محلّ القرب في باطن الفكر
فلو أخلصوا في الودّ غابت صفاتهم * وقامت صفات الودّ للخلق « 3 » بالذكر
هامش
( 1 ) في صفة الصفوة : « بالفنا » ، والخبر فيه 4 / 418 ، 419 .
( 2 ) في صفة الصفوة : « وخلوا » .
( 3 ) في صفة الصفوة : « للحق » .