يراك فاتّقه ، وقم له بالقسط على نفسك ، وتفرّد بالفرد إذ كنت له عبدا ، وتجرّد من الهموم الشاغلة ، واجعل الهمّ واحدا تروّح في العاجلة والآجلة « 1 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
* * * وقال : بلغنا عن بعض السلف أنه قال : رأيت في بعض الجبال شابّا أصفر اللّون ، غائر العينين ، مرتعش الأعضاء ، لا يستقرّ على الأرض ، كأنّ به وخز الأسنّة ، ودموعه تتحادر . فقلت له : من أنت ؟ قال : عبد آبق من مولاه . قلت : فتعود فتعتذر . فقال : العذر يحتاج إلى إقامة حجّة ، فكيف يعتذر المقصّر ؟ فقلت : يتعلّق بمن يشفع فيه . فقال : كلّ الشّفعاء يخافون منه . قلت : فمن هو ؟ فقال : مولّى ربّاني صغيرا فعصيته كبيرا ، شرط لي فوفّاني ، وضمن لي فأعطاني ، فخنته في ضماني ، وعصيته وهو يراني ، فوا حيائي من حسن صنيعه ، وقبيح فعلي . فقلت : أين هذا المولى ؟ فقال :
أين توجّهت لقيت أعوانه ، وأين استقرّت قدمك ففي آثاره « 2 » وداره . فقلت :
ارفق بنفسك ؛ فربّما أحرقك هذا الخوف . فقال : الحريق بنار خوفه - لعلّه يرضى - أحقّ وأولى ، ثم أنشأ يقول :
لم يبق خوفك لي دمعا ولا جلدا * لا شكّ أنّي بهذا ميّت كمدا
عبد كئيب أتى بالعجز معترفا * وناره تحرق الأحشاء والكبدا
ضاقت مساكنه في الأرض من وجل * فهب له منك لطفا إن لقيك غدا
فقلت : يا غلام ، الأمر أسهل ممّا تظنّ . فقال : هذا من فتن البطّالين ،
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 4 / 365 .
( 2 ) لفظة : ( آثاره ) ليست في ( أ ) .