وقال أبو فروة السّائح : بينا أنا أطوف في بعض الجبال إذ سمعت صدى جبل ، فقلت : إنّ هاهنا لأمرا ما . فاتّبعت الصّوت فإذا أنا بهاتف يهتف : يا من آنسني بذكره ، وأوحشني من خلقه ، وكان لي عند مسرّتي ، ارحم اليوم عبرتي ، وهب لي من معرفتك ما أزداد به تقرّبا إليك ، يا عظيم الصنيعة إلى أوليائه ، اجعلني اليوم من أوليائك المتّقين .
قال : ثم سمعت صرخة ، ولم أر أحدا ، فأقبلت نحوها ، فإذا أنا بشيخ مغشيّ عليه ، قد بدا بعض جسده ، فغطّيته ، ثم لم أزل عنده حتى أفاق .
فقال : من أنت رحمك اللّه ؟ قلت : رجل من بني آدم . قال : إليك عنّي ، فمنكم هربت . قال : ثم بكى ، وقام فانطلق وتركني ، فقلت : رحمك اللّه ، دلّني على الطريق . فأومأ بيده إلى السماء ، فقال : هاهنا « 1 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
* * * وقال محمد بن أبي عبد اللّه عن رجل حدّثه من أهل الشام ، أنّه دخل كهف جبل في ناحية عن طريق الناس ، فإذا هو بشيخ مكبوب على وجهه ، وإذا هو يقول : إن كنت تطلب جهدي في دار الدّنيا ، وتطيل شقائي في دار الآخرة لقد أهملتني وأسقطتني من عينك أيّها الكريم .
قال : فسلّمت عليه ، فرفع رأسه ، فإذا دموعه قد بلّت الأرض فقال :
ألم تكن الدّنيا لكم واسعة ، وأهلها لكم أناسا ؟ فلما رأيت من عقله ما رأيت ، قلت له : رحمك اللّه ، اعتزلت الناس واغتربت في هذا الموضع ؟
فقال : وأنت يا أخي ، فحيث ما ظننت أنّه أقرب لك إلى اللّه فابتغ إلى ذلك
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 4 / 363 .