هبه تجاوز وعفا ، أين آثار الإخلاص والصّفا ؟ ثم صاح صيحة ، فخرجت روحه ، فخرجت عجوز من كهف جبل عليها ثياب رثّة ، فقالت : من أعان على قتل البائس « 1 » الحيران ؟ فقلت : يا أمة اللّه ، دعوته إلى الرّجاء ؟ فقالت :
قد دعوته إلى ذلك فقال « 2 » : الرجاء بلا صفاء شرك . قلت : من أنت منه ؟
قالت : والدته . فقلت : أقيم عندك أعينك عليه ؟ فقالت : خلّه ذليلا بين يدي قاتله ، عسى « 3 » أن يراه بغير معين فيرحمه . فلم أدر ممّا أعجب ، من صدق الغلام من خوفه ، أو من قول العجوز ، وحسن صدقها « 4 » .
رحمة اللّه عليهما ورضوانه .
* * *
الجزائر والبحار
قال عبيد اللّه بن أبي نوح : لقيت رجلا من العبّاد في بعض الجزائر منفردا فقلت : يا أخي ، ما تصنع هاهنا وحدك ؟ أما تستوحش ؟ قال : الوحشة في غير هذا الموضع أعمّ . قلت : منذ كم أنت هاهنا ؟ قال : منذ ثلاثين « 5 » سنة . قلت : فمن أين المطعم ؟ قال : من عند المنعم . قلت : فما هنا في القرب منك شيء تعوّل عليه إذا احتجت إليه من المطعم رجعت إليه ؟ قال :
ما أكرثك بما قد كفيته ، وضمن لك ! قلت : أخبرني بأمرك . قال : مالي أمر غير ما ترى ، غير أنّي أظلّ في هذا الليل والنهار متّكلا على كرم من لا تأخذه سنة ولا نوم . قال : ثم صاح صيحة أفزعني ، فوثبت ، وسقط مغشيّا عليه ،
هامش
( 1 ) في ( أ ) : « من أعان على البائس » .
( 2 ) في ( ب ) : « فقالت » .
( 3 ) في ( أ ) : « عساه » .
( 4 ) صفة الصفوة 4 / 367 . وقد كتب على الهامش : « تبصرة لابن الجوزي » .
( 5 ) في ( أ ) : « منذ ثلاثون » .