وقال ذو النون : بينا أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس إذ سمعت صوتا ، وهو يقول : ذهبت الآلام عن أبدان الخدّام ، وولهت بالطّاعة عن الطعام والشراب ، وألفت أبدانهم طول القيام « 1 » بين يدي الملك العلّام .
فتبعت الصّوت فإذا شابّ أمرد ، قد علا وجهه اصفرار ، يميل ميل الغصن إذا ميّلته الريح ، عليه شملة قد ائتزر بها ، وأخرى قد اتّشح بها ، فلمّا رآني توارى عنّي بالشجر ، فقلت له : أيّها العالم ؛ ليس الجفاء من أخلاق المؤمنين ، فكلّمني وأوصني . فخرّ ساجدا ، وجعل يقول : هذا مقام من لاذ بك واستجار بمعرفتك ، وألف محبّتك ؟ فيا إله القلوب وما تحويه من جلال عظمتك احجبني عن القاطعين لي عنك .
قال ذو النون : ثم غاب عني فلم أره « 2 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
* * * وقال ذو النون : بينا أنا في جبال المغرب إذ وقعت على رجل عابد في رأس جبل ، فسلّمت عليه ، فأطرق إلى الأرض ، ثم رفع رأسه ، وقال :
وعليكم السلام . قال ذو النون : فقلت له : ما مقامك في هذا المكان ؟
فقال : معي بضيّعة قد هربت بها من الأسواق ، وقد جئت بها لأدفنها في هذا المكان . قلت : وما بضاعتك هذه ؟ فقال : عقد توحيدي ، وخالص ضمير مكنوني . قلت : لو أنست بالنّاس ؟ فقال : منهم هربت ، وقد قصدت إلى من قصده غيري من الراجين فوجده مؤنسا ، ثم رفع طرفه « 3 » نحو
هامش
( 1 ) في ( ب ) : « المقام » .
( 2 ) صفة الصفوة 4 / 351 ، روض الرياحين 74 ( الحكاية 3 ) .
( 3 ) في ( ب ) : « رأسه » .