إنّهم « 1 » قوم صافوه بالعقول ، ودقّقوا له الفطن ، فسقاهم كأسا من محبّته فهم في عطشهم أروياء ، وهم في ريّهم عطاش . قال : فقلت له : زدني .
فقال : إنّهم أقوياء في توكّلهم « 2 » .
رحمة اللّه ورضوانه .
* * * وقال بشر بن الحارث : كنت في جبال الشام ، فأتيت على جبل يقال له الأقرع « 3 » ، فإذا أنا بشابّ قد نحل جسمه ، ورقّ جلده ، عليه ثوب من صوف . فسلّمت عليه ، فردّ عليّ ، فقلت في نفسي : أقول له عظني وأبلغ .
فقال لي قبل أن أكلّمه ، فأجاب عن سرّي : عظ نفسك بنفسك ، وفكّ نفسك من حبسك ، [ ولا تشتغل بموعظة غيرك من جنسك ] ، واذكر اللّه في الخلوات يقك السيّئات ، وعليك بالجدّ والاجتهاد . ثم بكى وجعل يقول :
شغلت النفوس بالقليل الفاني ، ونحفت « 4 » الأبدان بالتسويف والأماني . ثم قال : يا بشر ، - وما رآني وما عرفني قبل ذلك - إنّ للّه عبادا خالط قلوبهم الحزن فأسهر ليلهم ، وأظمأ نهارهم ، وأبكى عيونهم كما وصفهم ربّهم في كتابه :
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[ الذاريات : 17 ، 18 ] « 5 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
* * *
هامش
( 1 ) في ( ب ) : « فهم » .
( 2 ) صفة الصفوة 4 / 355 .
( 3 ) الأقرع : جبل شمال اللاذقية بنحو 25 كم .
( 4 ) في صفة الصفوة 4 / 356 : « نحبت » . وشرحها محققه ب : نحب القوم في سيرهم : جدّوا . ونحبه السير أجهده .
( 5 ) صفة الصفوة 4 / 355 ، وما بين معقوفين مستدرك منه .