واحترق ، وهو شبيه بالواله الحيران . فسلّمت عليه ، فردّ السلام ، وبقي شاخصا يقول :
أعميت عيني عن الدّنيا وزينتها * فأنت والرّوح شيء غير مفترق
إذا ذكرتك وافى مقلتي أرق * من أوّل الليل حتى مطلع الفلق
وما تطابقت الأجفان عن سنة * إلّا رأيتك بين الجفن والحدق
ثم قال : يا ذا النون ، مالك ولطلب المجانين ؟ قلت : أو مجنون أنت ؟
قال : قد سمّيت به . فقلت : مسألة . فقال : سل . قلت : أخبرني ما الذي حبّب إليك الانفراد ، وقطعك عن المؤانسين ، وهيّمك في الأودية ؟ فقال :
حبّي له هيّمني ، وشوقي إليه هيّجني ، ووجدي به أفردني . ثم قال :
يا ليت شعري يا فتى إلى متى * تتركني مقلقلا في محنتي « 1 »
فقلت له : أخبرني أين محلّ الحبّ منك ، وأين مسكن الشّوق فيك ؟
فقال : مسكن الحبّ سواد الفؤاد . قلت : فما الذي تجد في خلوتك ؟ قال :
الحقّ سبحانه . فقلت كيف تجده ؟ قال : بحيث لا حيث ، ثم قال : يا ذا النون ، أعجبك كلام المجانين ؟ قلت : إي واللّه وأشجاني . ثم قلت له :
ما صدق وجدانك للحقّ تعالى ؟ فصرخ صرخة ارتجّ لها الجبل ، ثم قال :
يا ذا النون ، هكذا موت الصادقين . ثم سقط إلى الأرض ميتا . فتحيّرت في أمره لا أدري ما أصنع به ، وإذا به قد غاب عنّي فلا أدري أين ذهب « 2 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
* * *
هامش
( 1 ) في صفة الصفوة 4 / 345 ، وفي ( ب ) البيت جعل نثرا ، وبدل « محنتي » :
« محبّتي » .
( 2 ) صفة الصفوة 4 / 344 ، روض الرياحين 104 ( حكاية 30 ) .