تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
وقال ذو النون : بينا أنا أسير في ليلة ظلماء في جبال بيت المقدس ، إذ سمعت صوتا حزينا ، وبكاء عاليا ، وهو يقول : وا وحشتاه بعد أنساه ! وا غربتاه عن وطناه ! وا فقراه بعد غناه ! واذلّاه بعد عزّاه ! . فتبعت الصوت حتى قربت منه ، فلم أزل أبكي لبكائه حتى إذا أصبحنا « 1 » نظرت إليه فإذا رجل ناحل الجسم كالشّنّ المحترق . فقلت : يرحمكم اللّه ، تقول مثل هذا الكلام لأيّ سبب « 2 » ؟ فقال : دعني ، كان لي قلب فقدته ، ثم أنشأ يقول :
كان لي قلب أعيش به * فرماه الحبّ فاحترقا
فقلت له : لم تشتكي ألم البلاء ، وأنت تنتحل المحبّة ؟ ثم أنشدته :
إنّ المحبّ هو الصّبو * ر على البلاء لمن أحبّه حبّ الإله هو السّرو * ر مع الشّفاء لكلّ كربه
* * * وقال ذو النون : بينا أنا أسير في بعض جبال الشام إذا أنا بعابد قد خرج من بعض تلك الكهوف ، فلمّا نظر إليّ استتر عنّي بين تلك الأشجار ، ثم قال : أعوذ بك يا سيّدي ممّن يشغلني عنك ، يا مأوى العارفين ، وحبيب التوّابين ، ومعين الصادقين ، وغاية أمل المحبّين . ثم صاح : وا غمّاه من طول البكاء ، واكرباه من طول المكث في الدّنيا ! [ ثم قال : ] سبحان من أذاق قلوب العارفين حلاوة الانقطاع إليه ! فلا شيء ألذّ عندهم من ذكره ، والخلوة بمناجاته . ثم مضى وهو يقول : قدّوس قدّوس . فناديته : أيّها العابد ، قف لي . فوقف وهو يقول : اللّهمّ اقطع عن قلبي
هامش
( 1 ) في ( أ ) : « حتى أصبحنا » . ( 2 ) في ( ب ) : « شيء » .