عيش تغيّره الآفات ، وتنوبه الفجيعات ، وتفجع فيه الرزايا ، وتسوق أهله المنايا ؟ إنما هم بها أغراض مستهدفة « 1 » ، والحتوف لهم مستشرفة ، ترميهم بسهامها [ وتغشاهم بحمامها ] « 2 » ، ولا بدّ من الورود بمشارعه ، والمعاينة لفظائعه . أمر سبق من اللّه في قضائه ، وعزم عليه في إمضائه ، فليس منه مذهب ، ولا عنه مهرب . ألا فأخبث بدار تقلص ظلّها وتفني أهلها ؛ إنما هم بها سفر نازلون ، وأهل ظعن شاخصون ؛ كأن قد انقلبت الحال ، وتنادوا بالارتحال ، فأصبحت منهم قفارا قد انهارت دعائمها ، وتنكرت معالمها ، واستبدلوا بها القبور الموحشة التي استبطنت بالخراب ، وأسّست بالتراب ، فمحلها مقترب وساكنها مغترب ، من أهل موحشين ، وذوي صلة متشاسعين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل [ الإخوان ، ولا يتزاورون تزاور ] « 3 » الجيران ، قد اقتربوا « 4 » في المنازل ، وتشاغلوا عن التواصل ؛ فلم أر مثلهم جيران محلّة لا يتزاورون على ما بينهم من الجوار ، وتقارب الديار ؛ وأنّى ذلك منهم وقد طحنهم بكلكله البلى ، وأكلتهم الجنادل والثرى ، وصاروا بعد الحياة رفاة ، قد فجع بهم الأحباب ، وارتهنوا فليس لهم إياب ، وكأن قد صرنا إلى ما صاروا ، فنرتهن في ذلك المضجع ، ويضمّنا ذلك المستودع « 5 » .
وقال عتبة بن هارون : مرّ فضل الرّقاشيّ - وأنا معه - بمقبرة ، فقال :
أيتها الدّيار الموحشة التي نطق بالخراب فناؤها ، وشيّد في التراب بناؤها ،
هامش
( 1 ) أغراض : أهداف يرمى فيها . القاموس ( غرض ) .
( 2 ) ما بين حاصرتين مستدرك من حلية الأولياء 6 / 206 .
( 3 ) ما بين حاصرتين مستدرك من حلية الأولياء 6 / 207 .
( 4 ) في الأصل : « افترقوا » والمثبت من الحلية .
( 5 ) الحلية 6 / 206 ، وتتمّة الخبر فيه : « يؤخذ بالقهر والاعتسار ، وليس ينفع منه شفق الحذار . والسلام . قال : قلت له : فأيّ شيء كتبت إليه ؟ قال : لم أقدر له على الجواب » .