قال الفتح : فغاب عنّا زمانا ، وكنت إلى لقائه مشتاقا لما كان وصف لي من حكمة قوله ، فبينا أنا بفسطاط مصر قائما على حلقة ذي النّون فرأيته عليه جبّة صوف على ظهره مكتوب : لا تباع ولا تشترى ؛ وذو النون يتكلّم في علم الباطن ، فناداه سعدون : متى يكون القلب أميرا بعد ما كان أسيرا ؟
فقال ذو النون : إذا اطّلع الخبير على الضمير فلم ير في الضمير إلّا حبّه « 1 » لأنّه الجليل العزيز . قال : فصرخ صرخة خرّ مغشيّا عليه ، ثم أفاق من غشيته وهو يقول :
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى * ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
ثم قال : أستغفر اللّه ، غلب عليّ حبيبي ، ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم .
ثم قال : يا أبا الفيض ، إنّ من القلوب قلوبا تستغفر قبل أن تذنب . قال :
نعم « 2 » ، تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع . قال : يا أبا الفيض ، اشرح لي ذلك . فقال : يا سعدون ، أولئك أقوام أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين ، فهم قد فطموا النّفوس من روح الشهوات ، فهم رهبان من الرّهابين ، وملوك من العبّاد ، وأمراء في الزّهّاد ، للغيث الذي مطر في قلوبهم المولّهة بالقدوم إلى اللّه تعالى شوقا ، فليس فيهم من أنس لمخلوق ، ولا مسترزق من مرزوق ، فهو بين الملأ حقير ذليل ، وعند اللّه خطير جليل .
قال : يا ذا النّون ، فمتى يصل إليه ؟ فقال : يا سعدون ، صحّح العزم بطرح الأذى ، وسل الذي بسياسته تولّى .
قال الفتح : فأدخل سعدون رأسه فيما بين الحلقة ، فما رأيته بعد .
رحمة [ اللّه ] عليه .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، وفي فوات الوفيات 2 / 50 : « إلا الخبير » .
( 2 ) في الأصل : « إنّ من القلوب قلبا يستغفر قبل أن لا يذنب ، ثم قال : تلك » والمثبت من فوات الوفيات 2 / 50 .