عليه يبكي . فقمت رجاء أن أنتفع به ، فلمّا صرت إليه ، إذا هو سعدون المجنون ، وكان يكون في كوخ في مقابر عبد اللّه بن مالك ، فقلت له :
يا سعدون ، أيّ شيء تصنع ؟ فقال : يا يحيى ، هل لك في أن نجلس فنبكي على بلى هذه الأبدان قبل أن تبلى فلا يبكي عليها باك ؟ ثم قال : يا يحيى ، البكاء من القدوم على اللّه عزّ وجلّ أولى بنا من البكاء على بلى الأبدان . ثم قال : يا يحيى
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
[ التكوير : 10 ] ، ثم صاح صيحة شديدة وقال : وا غوثاه باللّه ممّا يقابلني في الصّحف ! قال يحيى : فغشي عليّ ، فأفقت وهو جالس يمسح وجهي بكمّه وهو يقول : يا يحيى ، من أشرف منك لو متّ ؟ « 1 » .
وقال أحمد بن عبد اللّه بن ميمون : سمعت ذا النّون المصري يقول :
خرج الناس إلى الاستسقاء بالبصرة ، فخرجت فيمن خرج ، فبينما أنا مارّ بين الناس إذا بيدين قبضتا على رجلي ، فقلت : من أنت ؟ خلّ عنّي . فقال :
أنا سعدون المجنون ، أين تريد يا أبا الفيض ؟ قلت : أريد المصلّى أدعو اللّه .
فقال : بقلب سماويّ أم بقلب خاو ؟ فقلت : لا ، بل بقلب سماويّ . قال :
انظر يا ذا النون ، لا تبهرج ، فإنّ الناقد بصير . وقال : تدعو اللّه وأؤمّن على دعائك ، أو أدعو اللّه وتؤمّن على دعائي ؟ فقلت : تدعو اللّه وأؤمّن عليه .
فصفّ قدميه ثم قال : إلهي ، بحقّ البارحة إلّا أمطرتنا .
قال ذو النون : فو اللّه لقد رأيت الغيوم قد ارتفعت عن اليمين والشّمال حتى التقت ، فجاءنا المطر كأفواه العزالى « 2 » . فقلت له : بحقّ معبودك ، أيّ شيء كان بينك وبين اللّه البارحة ؟ فقال لي : لا تدخل بيني [ وبين ] قرّة عيني .
قلت : لا بدّ أن تخبرني . فأنشأ يقول :
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 2 / 512 .
( 2 ) العزالى : جمع عزلاء ، وتطلق على فم الرّاوية . القاموس ( عزل ) .