أنست به فلا أبغي سواه * مخافة أن أضلّ فلا أراه
فحسبك حسرة وضني وسقما * بطردك عن مجالس أولياه « 1 »
وقال ذو النون : رأيت سعدون في المقبرة في يوم حارّ وهو يناجي ربّه عزّ وجلّ بصوت عال ويقول : أحد أحد ، فاتّبعته فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام ، فقلت له : بحقّ من تناجيه ، إلّا وقفت عليّ وقفة . فوقف وقال لي : قل وأوجز . فقلت : أوصني بوصيّة أحفظها عنك ، أو تدعو لي بدعوة .
فقال :
يا طالب العلم ههنا وهنا * ومعدن العلم بين جنبيكا
إن كنت تبغي الجنان تسكنها * فأذرف الدّمع فوق خدّيكا
وقم إذا قام كلّ مجتهد * وادع لكيما يقول لبّيكا
قال : ثم مضى وقال : يا غياث المستغيثين أغثني . قلت : ارفق بنفسك ، فلعلّه يلحظك بلحظة فيغفر لك . فنفض يده من يدي وعدا « 1 » .
وقال الأصمعي : مررت بسعدون المجنون ، فإذا هو جالس عند رأس شيخ سكران ، يذبّ عنه . فقلت : مالي أراك جالسا عند رأس هذا الشيخ ؟
فقال : إنّه مجنون ، فقلت له : أنت المجنون أو هو ؟ فقال : لا ، بل هو .
قلت : من أين قلت ذلك ؟ قال : لأنّي صلّيت الظهر والعصر جماعة ، وهو لم يصلّ جماعة ولا فرادى . قلت له : فهل قلت في ذلك شيئا ؟ فأنشأ يقول :
تركت النّبيذ لأهل النّبيذ * وأصبحت أشرب ماء قراحا
لأنّ النّبيذ يذلّ العزيز * ويكسو الوجوه النّضار الصّباحا
فإن كان ذا جائزا للشباب * فما العذر فيه إذا الشّيب لاحا « 2 »
وقال الفتح بن شخرف : كان سعدون صاحب محبّة للّه ، لهج بالقول ، صام ستّين سنة حتى خفّ دماغه ، فسمّاه الناس مجنونا لتردّد قوله في المحبّة .
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 2 / 514 .
( 2 ) صفة الصفوة 2 / 515 .