عروة ، فقطعها من نصف السّاق ، فما زاد على أن يقول : حسّ ، حسّ « 1 » .
فقال الوليد : ما رأيت شيخا قطّ أصبر من هذا ! .
وأصيب عروة بابن له يقال له محمد في ذلك السّفر ، دخل اصطبل دواب من الليل ليبول ، فركضته بغلة فقتلته ، وكان من أحبّ ولده إليه . فلم يسمع من عروة في ذلك كلّه كلمة حتى رجع . فلمّا كان بوادي القرى قال :
لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً
[ الكهف : 63 ] اللهمّ كان لي بنون سبعة ، فأخذت منهم واحدا ، وأبقيت لي ستّة ، وكانت لي أطراف أربعة فأخذت منّي طرفا وأبقيت لي ثلاثة . وايمك لئن ابتليت لقد عافيت ، ولئن أخذت لقد أبقيت . فلمّا قدم المدينة جاءه رجل من قومه يقال له عطاء بن ذؤيب فقال : يا أبا عبد اللّه ، واللّه ما كنّا نحتاج أن نسابق بك ، ولا نصارع بك ، ولكنّا كنّا نحتاج إلى رأيك ، والأنس بك . فأمّا ما أصبت به فهو أمر ذخره اللّه لك ، وأمّا ما كنّا نحبّ أن يبقى لنا منك فقد بقي .
ولمّا نظر عروة إلى رجله في الطّست قد قطعت قال : إنّ اللّه يعلم ما مشيت بك إلى معصية اللّه قطّ ، وأنا أعلم « 2 » .
وقال هشام : إنّ أباه كان يصوم الدّهر كلّه إلّا يوم الفطر ويوم النّحر ، ومات وهو صائم « 3 » .
وقال : ربّ كلمة ذلّ احتملتها أورثتني عزّا طويلا « 4 » .
وقال هشام : لمّا اتّخذ عروة قصره بالعقيق قال له الناس : جفوت مسجد رسول اللّه . فقال : إنّي رأيت مساجدهم لاهية ، وأسواقهم لاغية ،
هامش
( 1 ) حسّ : كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضّه وأحرقه غفلة ، كالجمرة والضّربة ونحوها . النهاية : ( حسس ) .
( 2 ) تاريخ ابن عساكر 11 / 287 ب ، والسير 4 / 431 .
( 3 ) طبقات ابن سعد 5 / 180 ، وتاريخ ابن عساكر 11 / 288 ب .
( 4 ) الحلية 2 / 177 ، وتاريخ ابن عساكر 11 / 290 جهنىّ .