تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
لا نريد أثرا بعد عين . وقال بعضهم : قد بلغتم أملكم ، واستوجبتم جوائزكم من الأمير ، فلا تعجزوا عنه ، فقال بعضهم : يعطيكم ما أعطى الراهب ، ويلكم ! أما لكم عبرة بالأسد كيف تحاكّت به وتمسّحت ، وحرسته إلى الصباح ؟ فقال بعضهم : هو عليّ ، أدفعه إليكم إن شاء اللّه . فنظروا إلى سعيد [ قد دمعت ] « 1 » عيناه ، وشعث رأسه ، واغبرّ لونه ، ولم يأكل ولم يشرب ، ولم يضحك منذ لقوه وصحبوه ، فقالوا بجماعتهم : يا خير أهل الأرض ، ليتنا لم نعرفك ، ولم نسرّح إليك ، والويل لنا ويلا طويلا ! كيف ابتلينا بك ؟ اعذرنا عند خالقنا يوم الحشر الأكبر ، فإنّه القاضي والعدل الذي لا يجور . فقال سعيد : ما أعذرني لكم وأرضاني لما سبق من علم اللّه تعالى فيّ ! فلما فرغوا من البكاء والمجاوبة والكلام فيما بينهم ، قال كفيله : أسألك باللّه يا سعيد لمّا زوّدتنا من دعائك وكلامك ، فإنّا لن نلقى مثلك أبدا ، ولا نرى أنّا نلتقي إلى يوم القيامة . ففعل ذلك سعيد ، فخلّوا سبيله ، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه ، وهم ينادون بالويل واللّهف الليل كلّه ، فلمّا انشقّ عمود الصّبح جاءهم سعيد ، فقرع الباب ، فقالوا : صاحبكم وربّ الكعبة . فنزلوا إليه وبكوا معه طويلا ، ثم ذهبوا به إلى الحجّاج ، فقال : أتيتموني بسعيد ؟ قالوا : نعم ، وعاينّا منه العجب ! فصرف وجهه عنهم وقال : أدخلوه عليّ . فخرج المتلمّس فقال لسعيد : أستودعك اللّه ، وأقرأ عليك السلام . فأدخل عليه ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : سعيد بن جبير . قال : أنت شقيّ بن كسير . قال : بل أمّي كانت أعلم باسمي منك . قال : شقيت أنت وشقيت أمّك . قال : الغيب يعلمه غيرك . قال : لأبدلنّك بالدنيا نارا تلظّى . قال : لو علمت أنّ ذلك بيدك لاتّخذتك إلها . قال : فما قولك في محمد ؟ قال : نبيّ الرحمة ، إمام الهدى ، عليه [ الصلاة و ] السلام . قال : فما قولك في عليّ ؟
هامش
( 1 ) ما بين الحاصرتين مستدرك من حلية الأولياء 4 / 292 ، وسير أعلام النبلاء 4 / 329 .