تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
أواخرهم شاب مصفرّ ، بين يديه زبيل كبير ومرّ ، وعليه جبّة صوف ، ومئزر صوف ، فقلت له : تعمل ؟ قال : نعم ، قلت : بكم ؟ قال : بدرهم ودانق ، فقلت له : قم حتّى تعمل ، قال : بشريطة . قلت : ما هي ؟ قال : إذا كان وقت الظهر وأذّن المؤذّن ، خرجت فتطهّرت وصلّيت في المسجد جماعة ، ثم رجعت ، فإذا كان وقت العصر فكذلك . قلت : نعم . فقام معي فجئنا المنزل ، فوافقته على ما ينقله من موضع إلى موضع ، فشدّ وسطه ، وجعل يعمل ولا يكلّمني بشيء . حتّى إذا أذّن المؤذّن للظهر قال : يا عبد اللّه ، قد أذّن المؤذّن للظهر « 1 » . قلت : شأنك . فخرج فصلّى ، فلمّا رجع عمل عملا جيّدا إلى العصر ، فلمّا أذّن المؤذّن قال لي : يا عبد اللّه قد أذّن المؤذّن ، قلت : شأنك . فخرج فصلّى ، ثم رجع فلم يزل يعمل إلى آخر النهار . فوزنت له أجرته وانصرف . فلمّا كان بعد أيّام ، احتجنا إلى عمل ، فقالت لي زوجتي : أطلب لنا ذلك الصانع الشاب ، فإنّه قد نصحنا في عملنا ، فجئت السّوق فلم أره ، فسألت عنه ، فقالوا : تسأل عن ذلك المصفّر المشئوم الذي لا نراه إلّا من سبت إلى سبت ، لا يجلس إلّا وحده في آخر الناس ؟ فانصرفت ، فلمّا كان يوم السّبت أتيت السّوق فصادفته فقلت : تعمل ؟ قال : قد عرفت الأجرة ، قلت : استخر اللّه عزّ وجلّ . فقام فعمل على النحو الذي كان عمل . قال : فلما وزنت له الأجرة زدته فأبى أن يأخذ الزّيادة ، فألححت عليه ، فضجر وتركني ومضى ، فغمّني ذلك فاتّبعته وداريته حتّى أخذ أجرته فقط . فلمّا كان بعد مدّة احتجنا أيضا إليه ، فمضيت يوم السّبت فلم أصادفه ، فسألت عنه ، فقيل لي : هو عليل ، وقال لي من يخبر أمره : إنّما كان يجيء
هامش
- « الراز » رأس البنّائين ، ومعنى « الجير » الجصّ . أو الطين فيكون معناهما مجتمعتين : المعلم الذي يعمل في البناء والطين . لسان العرب ( روز ، جير ) . ( 1 ) العبارة الأخيرة مكررة في الأصل .
المختار من مناقب الأخيار — صفحة 470 | مجد الدين ابن الأثير