وقال أبو ذر : في المال ثلاثة شركاء : القدر لا يستأمرك أين يذهب بخيرها أو شرّها من هلاك أو موت ؛ والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم ؛ وأنت الثالث فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكونن . إنّ اللّه تعالى يقول :
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
[ آل عمران : 92 ] « 1 » .
وقال سفيان الثوري : قام أبو ذرّ عند الكعبة فقال : أيّها الناس ! أنا جندب الغفاريّ ، فهلمّوا إلى الأخ البارّ الشّفيق . فاكتنفه الناس ، فقال :
أرأيتم لو أنّ أحدكم أراد سفرا أليس يتخذ من الزّاد ما يصلحه ويبلغه ؟
قالوا : بلى ، فسفر طريق القيامة أبعد ما تريدون ، فخذوا ما يصلحكم .
قالوا : وما يصلحنا ؟ قال : حجّوا حجّة لعظائم الأمور ، وصوموا يوما شديدا حرّه ليوم النّشور ، وصلّوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور ، كلمة خير تقولها ، أو كلمة سوء تسكت عنها لوقوف يوم عظيم ، تصدّق بمالك لعلّك تنجو من عسيرها . اجعل الدنيا مجلسين مجلسا في طلب الحلال ومجلسا في طلب الآخرة ، الثالث يضرّك ولا ينفعك لا ترده ؛ اجعل المال درهمين :
درهما تنفقه على عيالك من حلّه ، ودرهما تقدّمه لآخرتك ، الثالث يضرّك ولا ينفعك لا ترده . ثم نادى بأعلى صوته : يا أيّها الناس قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدا « 2 » .
وقال إبراهيم التّيمي : قال أبي : خرجنا حجّاجا فوجدنا أبا ذرّ بالرّبذة « 3 » قائما يصلّي فانتظرناه حتى فرغ من صلاته ، ثم أقبل علينا بوجهه فقال : هلمّ إلى الأخ الناصح الشفيق . ثم بكى ، فاشتدّ بكاؤه وقال : قتلني حبّ يوم
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 1 / 591 ، وأخرجه ابن عساكر ( المختصر 28 ، 305 ، 306 ) مطوّلا .
( 2 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 165 وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة 1 / 591 ، 592 .
( 3 ) مضى تعريف الربذة في ص 318 الحاشية ( 2 ) من هذا الجزء .