قلت : نبيّك محمد صلّى اللّه عليه وسلم . قال : ومن أقرأ نبيّي ؟ قلت : جبريل عليه السلام .
قال : ومن أقرأ جبريل ؟ قال : فسكتّ ، فقال لي : يا حمزة ، قل أنت .
فقلت : ما أجسر « 1 » أن أقول أنت . فقال : قل أنت . فقلت : أنت . قال :
صدقت يا حمزة ، وحقّ القرآن لأكرمنّ أهل القرآن ، لا سيما إذا عملوا بالقرآن ؛ يا حمزة ! القرآن كلامي وما أحبّ أحدا كحبي أهل القرآن ؛ ادن يا حمزة . فدنوت ، فضمّخني بالغالية « 2 » وقال : ليس أفعل بك وحدك ، قد فعلت بنظرائك من فوقك ومن دونك ، ومن أقرأ القرآن كما أقرأته لم يرد بذلك غيري ؛ وما خبأت لك عندي - يا حمزة - أكثر ، فأعلم أصحابك بمكاني من حبّي لأهل القرآن ، وفعلي بهم ، فهم المصطفون الأخيار ، يا حمزة ! وعزّتي وجلالي لا أعذّب لسانا تلا القرآن بالنار ، ولا قلبا وعاه ، ولا أذنا سمعته ، ولا عينا نظرته . فقلت : سبحانك ! وأنّى ترى ؟ فقال :
يا حمزة ! أين نظّار المصاحف ؟ فقلت : يا رب ! أفحفاظهم ؟ قال : لا ، ولكني أحفظه لهم حتى يوم القيامة ، فإذا لقوني رفعت لهم بكلّ آية درجة .
قال حمزة : أفتلومني أن أبكي وأتمرّغ في التراب « 3 » ؟
وتوفي حمزة بحلوان سنة ستّ وخمسين ومائة « 4 » .
قال أبو مسحل : رأيت الكسائيّ في النوم كأنّ وجهه البدر ، فقلت له :
ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي بالقرآن . فقلت : ما فعل حمزة الزيات ؟ قال :
ذاك في علّيّين ، ما نراه إلا كما يرى الكوكب الدّرّيّ « 4 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
هامش
( 1 ) جسر الرجل جسارة على كذا : مضى وأقدم ، فهو جسور : أي ماض شجاع .
اللسان ( جسر ) .
( 2 ) الغالية : نوع من الطّيب .
( 3 ) صفة الصفوة 3 / 157 ، 158 .
( 4 ) صفة الصفوة 3 / 159 .