أبو الفتح الوزير « 1 »
وصفه في الأدب بالغزارة وفي النظم والنثر بالمهارة ، أورد له من رسالة إلى المقتدر « 2 » في ذم قوم : استبدلوا بالخير شرا ، واعتاضوا من العرف نكرا ؛ واختاروا بالعلم جهلا ، وآثروا على الحياة قتلا ؛ ولم تزل تعاملهم بطول التؤدة ؛ وتفسح لهم في مجال التوبة ، وتتوكّف بهم غفران الحوبة « 3 » وتبسط لهم وفيهم بالغ المقدرة ، وتترفق بهم ترفق من لا يزال سيبه « 4 » يسبق سيفه ، ورجاؤه يغلب خوفه ، ورحمته تفثأ « 5 » عذابه ، وأناته تدرأ « 6 » عقابه ، حتى جرفهم السفه ، واستولى عليهم العمة « 7 » وسوّل لهم الشيطان واستدرجهم ، وأوبقهم العصيان وأزعجهم ، فبدروا لوقائع « 8 » حتّمها عليهم خلع الطاعة وإلى مصارع حكم بهم فيها فراق الجماعة .
هامش
( 1 ) وردت هذه الكنية مجهلة . ومن العسير التثبت من صاحبها ولعله أبو الفتح أكبر أولاد المعتمد بن عباد ؛ واسمه بالكامل أبو الفتح عباد بن محمد المعتمد بن عباد المعتضد ويكنى أبا ناصر أيضا استخلفه أبوه على قرطبة بعد تغلبه عليها وطرد ابن عكاشة منها ، وظل واليا على قرطبة حتى أوقع المرابطون بأبيه ، وهاجموا قرطبة بجيش جرار يقوده أبو عبد اللّه بن الحاج فقاومهم أبو الفتح حتى سقط قتيلا سنة 484 ه ، والرسالة كتبها إلى المقتدر باللّه بن هود ، ومن المعروف أنه كانت بينه وبين أسرة ذي النون بطليطلة حروب متلاحقة ومن المعروف أن بنى ذي النون هم ألد أعداء بنى عباد ، ولعل هذه الرسالة كتبت في النيل منهم ، ولهذا نرجح أن أبا الفتح هو عباد بن المعتمد .
( 2 ) المقتدر باللّه أحمد بن سليمان بن هود حاكم سرقسطة وما جاورها من الثغور كان جريئا حازما محبا للشعراء والأدباء توفى سنة 475 ه
( 3 ) توكف لهم تعهدهم ونظر في أمورهم ، وتوكف الأمر : ترقبه ، والحوبة : الإثم .
( 4 ) السيب : العطاء .
( 5 ) وردت هذه الكلمة بغير إعجام ، ولعل صحتها ما ذكرناه . تفثأ : تسكن .
( 6 ) تدرأ : تدفع ، في الأصل حتى حرمهم السنة .
( 7 ) عمه في طغيانه عمها : إذا تردد متحيرا وتخبط في الضلال .
( 8 ) في الأصل فنذروا الوقائع ولعل الصواب ما أثبتناه .