عمره ، ثم هاجر في طلب العلم إلى بخارى وسمرقند ، فغاص من بحره في غمره « 1 » ، ثم عاد إلى الشام ، وأقام بمدرسة حلب ، وتنقّلت به أحواله ، وتحوّلت في البلاد رحاله ، ورتّبه نور الدين قاضيا بعسكره سنة ، ثم توسّلنا له عنده في تفويض التدريس بالمدرسة الكبيرة « 2 » إليه ، فحصل له ما لم يخطر بباله ، وظهر بذلك حالي حاله ، ورفع نفسه عن درجة الشعر ، وكان له في الغربة أنجع وسيلة ، وأنجح فضيلة .
وسألته مرارا أن ينشدني ما أثبته ، ويسمعني ما أطريه وأنعته ، فماطل بما طلب منه بعد عدة ، وادّعى الإملاق عن جدة ، ولم يخش من الصديق أثر موجدة . ووقفت على قطعة بخطه كتبها ببخارى إلى بعض علمائها وليست من جيّد نظمه ، ولا من النمط اللائق بعلمه ، وإنما جنى هو « 3 » على أدبه ، حيث لم يرد أن ينوّه به « 4 » . فمن جملة أبياتها ، وأنا مضطر إلى إثباتها :
أيصبر قلبي عنهم بعد ما ساروا * ودمعي من الشوق المبرّح مدرار
هم جيرة جاروا عليّ ببعدهم * فليتهم عادوا إليّ وإن جاروا
هامش
- الحديث بما وراء النهر ، ودرّس بحلب ، وبالشام بالصادرية والأمينية ( انظر في التعريف بالصادرية الهامش الخامس من الصفحة 283 ، وبالأمينية الهامش الثاني من الصفحة 281 ) وهو أول من درّس بهما ، ثم جعلت له دار الأمير طرخان في دمشق مدرسة سنة 520 ( انظر في التعريف بالمدرسة الطرخانية ، الدارس ج 1 ص 539 ) وهو أول من درّس بها كذلك . وإليه تنسب المدرسة البلخية ( انظر الدارس ج 1 ص 481 ) .
ناظر في الخلافيات ، وقام عليه الحنابلة لأنه تكلم فيهم ، وعقد مجلس التذكير . وكان زاهدا معرضا عن الدنيا ، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة . وهو الذي قام بإبطال « حيّ على خير العمل » من حلب حين كان فيها . وسفر بين نور الدين حين حاصر دمشق وبين مجير الدين صاحبها . مات في شعبان سنة 548 ودفن بباب الصغير ، وله ترجمة وافية في تاريخ ابن عساكر .
( الجواهر المضية في طبقات الحنفية ، الدارس ج 1 ص 481 ، شذرات الذهب ج 4 ص 148 ، النجوم الزاهرة ج 5 ص 301 ، الروضتين ج 1 ص 91 ) .
( 1 ) في « ح » : في غمرة .
( 2 ) يريد المدرسة النورية الكبرى .
( 3 ) في « ح » : وإنما هو جنى .
( 4 ) في « ب » : يفوه به .