وكان بعض من كوشف له أنّ طريقتي في النّظم والنّثر ، لا تنهض قوّة أحد إلى سلوكها ، وأنّه إذا استفيض نبأ الفصاحة أشار إليّ بالسّيادة العظماء من ملوكها - أجرى ذكر « مقامات » ل ( ابن الحريريّ ) « 219 » ، لم تسلم من لحن منتشر في أثنائها ، وألفاظ ركيكة في مقاصدها وأنحائها ، وأوضاع تليق بالرّعاع « 220 » ، وأسجاع تصدف عنها خروق الأسماع ! ! « 221 »
فلمحت في ضمن إشارته أن أجيب ، في مقابلة ذلك ، بما يعلو عن خلل ، ويرفل من أنواع الكمال في أحسن حلل « 222 » ، مع جدّ لا تعبث يد الهزل بمرطه « 223 » ، ولا يطمع حسود في اختلال شرطه .
فشمخ أنف الأنفة عن مضاهاة ناقص « 224 » ، وموازاة من لم يحظ بنجر في العلوم خالص « 225 » . فأجبت بعض الإجابة ، وسلكت فيما وصفت مسالك الكتابة ، ووضعت خمس « مقامات » : تدلّ على تمكّن من أضعافها ، وتنبئ عن إيهاء منّة الغير وإضعافها « 226 » :
حنانيك ! إن راعتك يوما خصائصي ، * وهالك أصناف الكلام المسخّر ، « 227 »
فسل منصفا عن قالتي غير جائر ، * يجبك بأنّ الفضل للمتأخّر « 228 »
هامش
( 219 ) ترجمته في ( ج 4 / م 2 / ص 599 - 674 ) من هذا الكتاب .
( 220 ) بضم أوّله وفتحه : الغوغاء السفلة .
( 221 ) حكم باطل ، ورأي فائل ، وإفراط في التجريح يجانف الحقيقة .
( 222 ) يرفل في ثوبه : يجرّ ذيله ، ويتبختر في مشيه . الحلل : جمع الحلّة ، بضم الحاء ، وهي الثوب الجيد الجديد ، و - ثوبان من جنس واحد ، و - ثلاثة أثواب ، وقد تكون قميصا وإزارا ورداء .
( 223 ) المرط : ( ح 125 ) .
( 224 ) المضاهاة : المشابهة .
( 225 ) النّجر : الأصل .
( 226 ) الإيهاء : الإضعاف . المنّة ، بضم أوّله : القوّه . الغير : في جواز إدخال « ال » على « غير » ومنعه ، خلاف ليس هذا موضع بسطه .
( 227 ) حنانيك ، وحنانك : رحمة منك موصولة برحمة .
( 228 ) عن : في الأصل « من » .