تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصلة — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وكان يحكى أنه لم يكتبها حتى قرأ فيها أزيد من أربعين مؤلفا . متفننا في فنون العلم ، حافظا للأخبار والأمثال والأشعار ، يتمثل بالأشعار كثيرا في كلامه ، صلبيا في الحق مؤيدا له مميزا لزمانه ، متحفظا من أهله ، منقبضا عن السلطان ، وأسبابه جاريا على سنن الشيوخ في جميع أحواله متواضعا مقصدا في ملبسه . يتصرف في حوائجه بنفسه ، ويتولاها بذاته . كان شيخ أهل الشورى في زمانه ، وعليه كان مدار الفتوى في وقته ، دعي إلى قضاء قرطبة مرارا ، فأبى ذلك ، وامتنع . وكان قد دعي قبل ذلك إلى قضاء طليطلة والمرية ، فاستعفاهما ، وقدمه القاضي أبو المطرف بن بشر إلى الشورى ، والناس متوافرون ، وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة . وهو ابن إحدى وثلاثين سنة . وكان يهاب الفتوى ، ويخاف عاقبتها في الآخرة ، ويقول : من يحسدني فيها ، جعله اللّه مفتيا ، وإذ رغب في ثوابها ، وغبط بالأجر عليها ، يقول : وددت أني أنجو منها كفافا لا علي ولا لي ، ويتمثل بقول الشاعر :
تمنوني الأجر الجزيل وليتني * نجوت كفافا لا علي ولا ليا
وكانت له اختيارات من أقاويل العلماء ، يأخذ بها في خاصة نفسه لا يعدو بها إلى غيره . منها : أنه كان يقرأ بفاتحة الكتاب في الصلاة على الجنائز أثر التكبيرة الأولى اتباعا للحديث الثابت في ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ومن قال بذلك من العلماء ، رحمهم اللّه . وكان يقرأ بها في صلاة الجمعة إذا لم يسمع قراءة الإمام ، وكان إذا لم يسمع الخطبة في الجمعة والعيدين لبعده عن الإمام ، أقبل على الذكر والدعاء والاستغفار والقراءة . وكان يبدأ بالتكبير في العيدين من مساء ليلتهما إلى خروج الإمام ، وانقضاء الصلاة . وكان يتقي المسح على الخفين ما أمكنه ذلك ، ولم تدعه الضرورة إلى ذلك ، ويقول : أنا لا أعيب المسح عليهما ، وأصلي وراء من يمسح . وكان قد اعتقد قديما أن يشرك أبويه فيما يفعله من نوافل الخيرات مما ليس يفرض القيام به ، وأن يكون ثواب ذلك بينه وبينهما سواء . وكان يقول : إني مضيت على هذه النية مدة ، ثم إنه وقع بنفسي من ذلك شيء إذ خشيت أن أكون أحدثت أمرا ، لم أسبق إليه ، ولم أكن رأيت ذلك لغيري قبلي ، إلا أني لم أقطع ما نويته من ذلك إلى أن مر بي لبعض المتقدمين مثل ذلك ، فطابت نفسي ، وازددت بصيرة في فعلي .
الصلة — صفحة 163 | ابن بشكوال