عشر درهما لأشتري بها الرّكوة والحبل والنّعل ، وأدخل البادية ، قال :
فدقّ عليّ الباب ، ففتحت ، فإذا أنا بالمرتعش معه خريقة ، فقال : خذها .
فقلت : يا سيّدي ، لا أريدها . فقال : لم تؤذينا ؟ كم أردت ؟ قلت : خمسة عشر درهما . فقال : هي خمسة عشر درهما « 1 » .
وقال : ينبغي للفقير أن لا تسبق همّته خطوته « 2 » .
وقيل له : ما الصّبر ؟ فقال : أن لا تشهد البلاء . ثمّ أنشأ يقول :
صبرت ولم أطلع هواك على صبري * وأخفيت قلبي عنك في موضع الصّبر « 3 »
مخافة أن يشكو ضميري صبابتي * إلى دمعتي سرّا فتجري ولا أدري « 4 »
وقال : كان سبب خروجي إلى هذا الأمر أنّني كنت ابن دهقان « 5 » ، فبينا أنا جالس على باب داري بنيسابور ، إذ جاء شابّ عليه مرقّعة ، وعلى رأسه خرقة ، وأشار إليّ متعرّضا لي إشارة لطيفة ، فقلت : شابّ صحيح البدن ، لا يأنف من هذا ؟ ! ولم أردّ عليه جوابا ، فصاح في وجهي صيحة أفزعتني ، ووجدت من قوله رعبا شديدا ، ثمّ قال لي : أعوذ باللّه ممّا خامر سرّك ، واختلج به صدرك . فغشي عليّ وسقطت على وجهي ، فخرج خادم لنا ، فرآني على تلك الحال ، فرفع رأسي من الأرض ، وجعله في حجره ، واجتمع حولي خلق كثير ، فما أفقت إلّا بعد حين ، وقد ذهب الشّابّ ، فتحسّرت عليه ، وندمت على ما كان منّي ، فبتّ ليلتي مغموما ، فرأيت عليّ بن أبي طالب في منامي ومعه ذلك الشّابّ ، وعليّ يشير إليّ ويؤنّبني
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 352 ( الفراسة ) ، المختار 3 / 503 .
( 2 ) الرسالة القشيرية 393 ( الفقر ) ، تهذيب الأسرار 31 ، المختار 3 / 502 .
( 3 ) في تهذيب الأسرار : أطلع سواك . . وأخفيت ما بي منك في موضع الصبر ، وفي ( أ ) :
في موضع الصدر .
( 4 ) تهذيب الأسرار 126 ، المختار 3 / 502 ، 503 .
( 5 ) الدهقان : رئيس القرية ومقدم أصحاب الزراعة . انظر النهاية .