و : لقد صحبت مئة شيخ ، ما نفعني شيء مثل شدّ رأس الجراب .
يعني القناعة والتّقلّل « 1 » .
وقال : القناعة أخذ القوت من اللّه « 2 » .
وقال يوسف بن الحسين : صحبت أبا تراب النّخشبي خمس سنين وحججت معه على غير الطّريق الجادّة ، ورأيت منه في السّفر عجائب يقصر لساني عن شرح جميع ما شاهدته ، غير أنّا كنّا مارّين ، فنظر إليّ يوما وأنا جائع ، وقد تورّمت رجلاي ، وأنا أمشي بجهد ، فقال لي : ما لك ؟
لعلّك جعت ؟ قلت : نعم . فقال : لعلّك أسأت الظّنّ بربّك ؟ قلت : بلى .
فقال : ارجع إلى ربّك . قلت : وأين هو ؟ فقال : حيث خلّفته . قلت : هو معي . فقال : إن كنت صادقا فما هذا الهمّ الذي أراه عليك ؟ قال : فرأيت الورم قد سكن ، والجوع قد ذهب ، ونشطت حتّى كدت أتقدّمه ، فقال أبو تراب : اللّهمّ ، إنّ عبدك قد أقرّ بالآفة « 3 » ، فأطعمه . ونحن بين جبال ليس فيها مخلوق ، ثمّ انتهينا إلى رابية ، فإذا كوز ماء ، ورغيف موضوع ، فقال أبو تراب : دونك ، دونك . فجلست فأكلت ، فقلت : ليس تأكل منه أنت ؟
فقال : يأكل من اشتهاه « 4 » .
وقال : دخلت البادية ، ومعي ثلاث مئة تلميذ لي على التّوكّل ، ومعنا جمال ، فلمّا صرت في الطّريق ، أقام اللّه لي بالكفاية حتّى انتهيت إلى فيد « 5 » ، فعرفت نفسي بحسن الكلاءة « 6 » ، فلمّا وقع الخاطر بذلك ، وقع بي المنع ، ووقع الموت في الجمال ، وضعف أصحابي عن المشي ، وعن
هامش
( 1 ) تهذيب الأسرار 250 ، الكواكب الدرية 1 / 544 .
( 2 ) طبقات الصوفية 151 .
( 3 ) في المختار : بالفاقة .
( 4 ) المختار 2 / 10 .
( 5 ) فيد : منزل بطريق مكة . معجم البلدان .
( 6 ) الكلاءة : الحفظ والحراسة . اللسان .