ولما كانت الأوقات الشريفة موسومة بثناء يسمع ، ومرسومة بدعاء يرفع ، وأهلّت هذه الأشهر المكرمة ، وجب على من حضر ، بل كافة من يضمّه الثغر ، إخلاص الدعاء للحضرة العالية ، بأن يمدّ اللّه عليها ظلاله المسدلة ، ويديم لهم ما شملهم من تمام [ 180 ] المعدلة ، وأن يسعد أنحاءها في طاعة إمامها ، ويصرف أعداءها في حكم حسامها ، ويثبت لها من رأي سلطانه ما تستوفي به أقسام الفخر جميعا ، ويزيد لها أحداث الدهر خضوعا :
فلقد خدمت بهمة لا ترتضي * إلا سميّك صاحبا وضجيعا
والجيش [ أيقن ] حين عاد بأنه * ألفي بربعك معقلا وربيعا
وردوا نميرا من يمينك ريّقا * وثرى محلّ في ذراك منيعا
وسهرت دون هجوعهم بعزائم * تقضي وطرف لا يذوق هجوعا
هذا وكم من مارق مزّقته * بيد تفيض مكارما ونجيعا
والحمد للّه الذي جمع للحضرة العالية شرائط السؤدد ، وخصّها بالمجد / الموطّد ، والنسب إلى أعلى خندف عمادا ، وأوراها في موقف الفخر زنادا ، أرومة الرسالة وجرثومة الخلافة ، إليها انتزع هاشم ، وعنها أخذت المكارم ، فبعبد مناف بن النضر بن كنانة ذؤابة الفخر :
هنالك أبناء الوغى وحماتها * وثمّ العطاء الغمر والعدد الدثر
لهم أوجه زهر وأندية خضر * وألوية حمر وخطّية سمر
فأمّا الفضائل المكتسبة فإن مولاي الأجلّ ناظم أشتاتها ، ومؤلف متنافراتها ، فهو تارة تحت عذب الأعلام ، وأخرى بين طروس وأقلام ، يستصغر عظيمات التدبير ثقة بحزمه ، ولا يغفل صغيرات الأمور تمضي إلا عن علمه ، فأما الحلم والأناة واستلذاذ العفو مع القدرة والمحافظة على سرّ الخدمة فإن اللّه تعالى وهب له من ذلك ما سلّمه إليه معانده ، وعرف فضيلته فيه حاسده :
مناقب نظمت منها محامده * وشيمة عرفت فيها عوائده
وللندى غير منزور مؤمله * وللردى [ غير ] معصوم معانده
يفديه وافد ليل آب زائره * بنجحه وبخيل خاب قاصده
فأما المواقف المشهودة ، والآثار المؤرّخة المعدودة ، فإنه فيها ملقّى النصر ، دائم