كانوا إذا امتدحوا رأوا ما فيهم * فالأريحية منهم بمكان
وفي فصل [ 1 ] :
كان أبو فراس فرد دهره ، وشمس عصره ، أدبا وفضلا ، وكرما ومجدا ، وبلاغة وبراعة ، وفروسية وشجاعة ، وشعره مشهور سائر بيّن الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة والمتانة ، ومعه رواء الطبع وسمة الظّرف وعزة الملك ، لم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر ابن المعتز ؛ وأبو فراس بعد أشعر / منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام ، وكان الصاحب يقول : بدئ الشعر بملك - يعني امرأ القيس - وختم بملك - يعني أبا فراس - .
وأطلت [ 2 ] عنان الاختيار في محاسن كلّ شيء حسن [ 3 ] لا سيما روميّاته التي رمى بها هدف الإحسان ، وأصاب شاكلة الصواب . ولما خرج نيّر [ 4 ] الفضل من سراره ، وأطلق أسد الحرب من إساره ، لم تطل أيام فرحته ، ولم تسمح النوائب بالتجافي عن مهجته ، ودلّت قصيدة قرأتها للصابي في تأبينه على أنه قتل في وقعة كانت بينه وبين بعض موالي أسرته ؛ ما أحسن وأصدق قول أبي الطيب [ 5 ] :
فلا تنلك الليالي إنّ أيديها * إذا ضربن كسرن النبع بالغرب
ولا يعنّ عدوا أنت قاهرة * فإنهنّ يصدن الصقر بالخرب
وفي فصل [ 6 ] :
كان المتنبي نادرة الفلك ، وواسطة عقد الدهر ، في صناعة الشعر ؛ شاعر سيف الدولة الذي جذب بضبعه ، ورفع من قدره ، ونفّق من سعر شعره ، وألقى عليه شعاع سعادته حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر ، وسافر كلامه في البدو والحضر ، وكادت الليالي تنشده ، والأيام تحفظه ، كما قال [ 7 ] :
هامش
[ 1 ] اليتيمة 1 : 48 .
[ 2 ] اليتيمة 1 : 102 - 103 .
[ 3 ] اليتيمة : من محاسن شعر أبي فراس ، وما محاسن شيء كله حسن .
[ 4 ] اليتيمة : قمر .
[ 5 ] ديوان المتنبي : 426 .
[ 6 ] اليتيمة 1 : 126 .
[ 7 ] ديوان المتنبي : 361 .