التبسّم ، حتى جاء ابن الروميّ بحر الإبداع ، وعذبة لسان الاختراع ، فقال بيته المتقدم فأسكت به القائلين ، ودفع في صدر المتقدمين ، وبيّن أنه ربما كان الفضل للآخر ، وأبقى السالف للغابر ، وأرى أوّل من نحا هذا المنحى ، وسلك بالشيب هذه المحجّة المثلى ، حيث استعار الضحك للشيب ، غير مبال إلى ما في ذلك من العيب ، دعبل حيث يقول [ 1 ] :
لا تعجبي يا عبد من رجل * ضحك المشيب برأسه فبكى
فاستعار الجناح ، وغدا على ألسنة الرواة وراح ، وتتابع فيه الشعراء فابدءوا فيه وأعادوا ، ونقصوا وزادوا .
/ وقال ابن المغربي :
ولما دعوت الكأس تؤنس وحشتي * لبعدك زادتني اشتياقا إلى القرب
ومالت بأعطافي لها أريحية * فقربك أحلى من جناها إلى القلب
فأنت مزاج العيش إن كان صافيا * وأنت المعير الصفو في كدر الشرب
وقال في غلام تركي وسيم ، كان به يهيم :
غزال لم ألابس قبله * التبريح والكمدا
أظنّ عداه حانية * لعشقي مذ كذا رصدا
وقال [ 2 ] :
يا أهل مصر قد عاد ناسككم * بالكرخ بعد التقى إلى الفتك
جمّش قلبي [ مقر ] طق غنج * بدا لقلبي فيه من النسك
رمى فؤادي بسهم مقلته * وكيف يخطي مولّد الترك
وذكرت بمعنى البيت الثاني من هذه قول كشاجم ، وإن لم يكن به ، فيتعلّق بسببه [ 3 ] :
يقولون تب والكأس في يد أغيد * وصوت المثاني والمثالث عال
هامش
[ 1 ] ديوان دعبل : 117 وروايته : لا تعجبي يا سلم ( وفي الديوان تخريج مستفيض ) .
[ 2 ] الشريشي 5 : 305 .
[ 3 ] انظر : زهر الآداب : 611 ، والشريشي 5 : 305 .