أصرت ترفل في الأسمال قلت لهم * أسمالي اليوم بين الناس أسمى لي
[ فصل في ذكر ] الأديب أبو زكريا يحيى بن الزيتوني من مدينة فاس [ 1 ]
أحد من وفد أيضا على هذا البلد أيام ملوك الأندلس ، وله شعر بديع ، وتصرّف مطبوع ، وكان حاضر الجواب ، ذكيّ الشهاب ، قال له ابن زيدون أبو الوليد يوما ، وهو بين يدي المعتضد وكأنّه استجهله ، أو أراد أن يفحمه ويخجله : أفاسي أنت يا أبا زكريا ؟
يوهم أنه يسأله عن بلده ، / وخبأ له [ 2 ] فيها شيئا فهمه يحيى بصفاء خلده ، وأجابه سريعا بفضل توقده ، فقال : منسوب - أعزّك اللّه - فأعجب به عبّاد ؛ ولجّ ابن زيدون فقال : نعم الفتى أبو زكرياء ، وفهم ابن الزيتوني تصحيفه ، فصدمه بمثله ، ورماه بشكله ، فقال له - وقبّل يده - : عبدك أعزّك اللّه ، فخجل أبو الوليد وتشوّر ، واستخفّ الطرب جميع من حضر [ 3 ] .
ومن شعره في المعتضد يستنجزه :
سفينة الوعد في بحر الوفا وقفت * فامنن بريح من الإنجاز تجريها
وله من قصيدة أوّلها :
فقت الهلال بذا الجمال فواسه * وجرحت باللحظ الغزال فآسه
يقول فيها :
لم أفن دمعا في سواه ولا جرى * قلم بغير ثناه في قرطاسه
فلقيت من كلفي به ما لم يكن * لاقى سحيم من بني حسحاسه
ما البحتريّ وإن أرقّ نسيبه * وأجاد وصف الرّوض في بطياسه [ 4 ]
وأتى بتشبيهات حسن نسيمه * ونوادر بصفات عين طماسه
بأرقّ من شعري وأحسن موقعا * منه اليناقي في حلى أنفاسه
طماس كان ابن أخي إبراهيم بن العباس [ 5 ] ، وكان البحتري يتولع بوصف عوره .
هامش
[ 1 ] ترجمته في جذوة الاقتباس 2 : 536 نقلا عن الذخيرة ، وانظر المسالك 11 : 458 .
[ 2 ] ص : وخاله .
[ 3 ] حاول ابن القاضي المكناسي حل هذا الحوار عن طريق التصحيف ، حلا جزئيا ، ولعله وفق في بعضه فليراجع ( عبدك : عندك ، نعم : يعم ، الفتى : الفسا . . الخ ) .
[ 4 ] بطياس : قريبة من حلب ( انظر ديوان البحتري : 214 ، 1135 ) .
[ 5 ] اسمه أحمد بن عبد اللّه بن العباس وهو عم أبي بكر الصولي ( انظر ديوان البحتري : 1127 والحاشية ) .