أتتك أبا عامر وردة * يذكّرك المسك أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر * فغطّت بأكمامها رأسها
فسرّ بذلك المنصور ، وكان ابن العريف حاضرا ، فحسده وجرى إلى مناقضته ، وقال لابن أبي عامر : إنّ هذين البيتين لغيره ، [ 33 ] وقد أنشدنيهما بعض البغداديّين بمصر لنفسه ، وهما عندي على ظهر كتاب بخطّه . فقال له المنصور : أرنيه ، فخرج ابن العريف وركب وجعل يحثّ حتى أتى مجلس ابن بدر ، وكان أحسن أهل وقته بديهة ، فوصف له ما جرى فقال :
عشوت إلى قصر عبّاسة * وقد جدّل النوم حرّاسها
فألفيتها وهي في خدرها * وقد صرع السّكر أنّاسها
فقالت : أسار على هجعة ؟ * فقلت : بلى ، فرمت كاسها
ومدّت يديها إلى وردة * يحاكي لك الطّيب أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر * فغطّت بأكمامها رأسها
وقالت : خف اللّه لا تفضحنّ * في ابنة عمّك عبّاسها
فولّيت عنها على عفّة * وما خنت ناسي ولا ناسها
فطار ابن العريف بها ، وعلّقها على ظهر كتاب بخط مصري [ 1 ] ، / وورّى وتحيّل بمداد أشقر . ودخل بها على المنصور ، فلمّا رآها اشتدّ غيظا على صاعد وقال : غدا أمتحنه ، فإن فضحه الامتحان ، لم يبق في موضع لي فيه سلطان . فلمّا أصبح وجّه عنه بمجلس حفل ، وقد أعدّ طبقا فيه سقائف من ضروب النّواوير ، وصنع [ 2 ] على السّقائف جواري ياسمين ، وتحت السقائف بركة ماء حصاها اللؤلؤ ، وكان في البركة حيّة تسبح .
فلما دخل صاعد مثّل الطبق بين يديه ؛ فقال له المنصور : إنّ هذا يوم إمّا أن تسعد فيه معنا ، وإمّا بالضد عندنا ، لأنّه قد زعم قوم أنّ كلّ ما تأتي به دعوى ، وقد وقعت من ذلك على حقيقة . وهذا طبق ما توهّمت أنّه مثّل بين يدي ملك قبلي في شكله ، فصفه بجميع ما فيه . فقال صاعد بديهة :
أبا عامر هل غير جدواك واكف * وهل غير من عاداك في الأرض خائف
هامش
[ 1 ] بدائع : مشرقي .
[ 2 ] كذا في ص ، ولعلها : « ووضع » كما في النفح .