وينظر في هذا المعنى إلى قول المتنبي [ 1 ] :
حتى أتوا جدثا كأنّ ضريحه * في قلب كلّ موحّد محفور
وقال ابن معلّى يرثي من قصيدة أخرى [ 2 ] :
رزء بكت منه العلا ومصاب * شقّت عليه جيوبها الأحساب
أعيا مرام الصبر يوم حلوله * نفسي وسدّت دونه الأبواب
وطفقت ألتمس العزاء فخانني * نفس تذوب وأدمع تنساب
وتلجلج الناعي [ به ] فسألته * عود الحديث لعلّه يرتاب
أنفى [ 3 ] ويوجب أن يقول حقيقة * فعل الشفيق ، فغلّب الإيجاب
تربت يداه مدى الحياة بمن [ 4 ] نعى * وغدت بفيه جنادل وتراب
[ فلكم حماه على المكارم أن نبا * وطن بذي أمل وضاق جناب ]
يا عامر لم يبق بعدك عامر * لمنازل العلياء فهي خراب
أنعى إلى الإعراب منك معيده [ 5 ] * غضّا كما نطقت به الأعراب
وإلى لباب الفهم فهمك إنه * كانت تقرّ بفهمك الألباب
وإلى السيادة والصّبا فلكم أتت * تدعو نهاك عن الصّبا فتجاب
ولكم نزعت بسهم فكر صائب * يرمى الزمان بمثله فيصاب
كم أعذل الأيام فيك بما جنت * لو كان للأيّام عنك [ 6 ] متاب
وأعاتب الزمن الخئون فينقضي * كلّ العتاب ولم يكن إعتاب
ذبلت بروض المجد بعدك دوحة * وخبا بأفق العلم منك شهاب
ناحت بك الأقلام غاية وسعها * وبكت بأبلغ جهدها الآداب
وتقطّعت نفس الكتابة حسرة * وأسى عليك وأسعد الكتاب
هامش
[ 1 ] ديوان المتنبي : 65 .
[ 2 ] ب م : ومن قصيدة له أخرى يرثي .
[ 3 ] ط د : أبقى .
[ 4 ] ب م : لقد .
[ 5 ] س : بديعه .
[ 6 ] ط د س : عنه .