صبحها ، فحلّ لأول وقته بحريمها ، وتحكّم في ظالمها ومظلومها ، إلّا فرقة من السودان المغاربة لاذوا بذروة قصبتها وهي بحيث ينشأ تحتها الدّجن ، ويعجز دون مرامها الظنّ ، إنافة مكان « 1 » ، وإطالة بنيان ؛ وقد كان أهل مالقة أشاروا على ابني المعتضد ، حين خلّوا بينهما وبين البلد ، بإذكاء العيون ، وإساءة الظنون ، وضبط ما حولها من المعاقل والحصون ، فغفلا ، وأقبسهم شرارة من ناره ، فلم يرع ابني عبّاد ، إلّا صهيل الجياد ، وتداعي الأجناد ، بشعار الجلاد ، فلم تر إلّا أسيرا أو قتيلا ، أو فازعا إلى الفرار ما وجد إليه سبيلا ، وامتلأت أيدي الباديسيين من السلاح والكراع ، ورفلوا بين خيار البزّ وفاخر المتاع ، ولجأ ابنا عبّاد إلى رندة وقد انغمسا في عارها ، وصليا بنارها ، ورأيا وجه الموت في لمعان أسنّتها وشفارها ، ومن ثمّ خاطب المعتمد أباه بالشعر المتقدم الذكر ، وقد أخفر ذممه ، ونذر دمه ، ولولا أنّه استجار - زعموا - يومئذ برجل من العبّاد كان هنالك لتبّت يداه ، ولحق إسماعيل أخاه .
/ ورفع إلى المعتمد صدر دولته شعر ، عزي إلى بعض الأصحاب ، من الوزراء الكتاب ، يعرّض بأبي الوليد ابن زيدون فيه ، أوله « 2 » :
يا أيّها الملك العليّ الأعظم * اقطع وريدي كلّ باغ ينئم
[ واحسم بسيفك داء كلّ منافق * يبدي الجميل وضدّ ذلك يكتم ] « 3 »
لا تتركن للناس موضع شبهة * واحزم فمثلك في العظائم يحزم
قد قال شاعر كندة فيما مضى * بيتا على مرّ الليالي يعلم
« لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى يراق على جوانبه الدم » « 4 »
فلما سمعها المعتمد ، عرف الغرض الذي إليه قصد ، ووقّع على ظهر الرقعة ، بهذه القطعة ، وهي من جيد نظامه ، وحرّ كلامه « 5 » :
كذبت مناكم صرّحوا أو جمجموا * الدّين أمتن والمروءة أكرم
خنتم ورمتم أن أخون وإنّما * حاولتم أن يستخفّ يلملم
هامش
( 1 ) دوزي : اتقان .
( 2 ) انظر : ديوان ابن زيدون : 306 ، والقلائد : 14 ، والإعلام 2 : 315 .
( 3 ) زيادة من دوزي .
( 4 ) ديوان المتنبي : 218 .
( 5 ) ديوان المعتمد : 67 ، والقلائد : 15 ، والأعلام 2 : 316 .