وكان اذفونش قد اضطره الخور يومئذ للفرار ، فتسنّم قنن الجبال الشاهقة والأوعار ، إلى أن جنّه ثوب الظلام ، فنجا منجى الحارث بن هشام ، برأس طمرّة ولجام « 1 » ، ودخل طليطلة - أعادها اللّه - مع شرذمة من أتباعه قليلة ، وبقيّة من طائفة له مخذولة مغلولة ، فوصف ذلك كلّه عبد الجليل في هذه القصيدة ، فقال :
فأين العجب يا اذفونش هلّا * تجنّبت المشيخة يا غلام
ستسألك النّساء ولا رجال * فتخبر ما وراءك يا عصام « 2 »
وهذا لفظ أبي فراس في سيف الدولة ، وننشد ما قبله لاتصال المعنى به « 3 » :
سلي عنّي سراة بني كلاب * ببالس عند مشتجر العوالي
/ لقيناهم بأسياف قصار * كفين مئونة الأسل الطّوال
تدور به نساء بني قريظ « 4 » * وتسأله النّساء عن الرجال
وفي هذه القصيدة يقول كأنه يخاطب أذفونش :
أقمت لدى الوغى سوقا فخذها * مناجزة ، وهون ما تسام
فإن شئت اللجين فثمّ سام * وإن شئت النضار فثمّ حام
رأيت الضرب تصليبا فصلّب * فأنت على صليبك لا تلام
أنام رجالك الأشقون ؟ كلّا * وهل يحلو بلا رأس منام
رفعنا هامهم في كلّ جذع * كما ارتفعت على الأيك الحمام
سيعبد بعدها الظلماء لمّا * أتيح له بجانبها اكتتام
ولا ينفكّ كالخفّاش يغضي * إذا ما لم يباشره الظّلام
نضا أدراعه واجتاب ليلا * يودّ لو أنّ طول الليل عام
وليس أوان للأيم « 5 » انسلاخ * ولكن في ضمائره احتدام
هامش
( 1 ) فيه إشارة إلى قول حسان بن ثابت يعير الحارث بن هشام بالفرار :إن كنت كاذبة الذي حدثتني * فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام( 2 ) هو مثل ، انظر : جمهرة العسكري 2 : 255 ( تحقيق أبو الفضل ) ، والميداني 2 : 143 ، واللسان ( عصم ) .
( 3 ) ديوان أبي فراس : 306 .
( 4 ) الديوان : إماء من قريظ .
( 5 ) م س ل : لليل .