ورتبوا في مواقعهم كوافهم ، اصطلم عن آخره جمعه ، واجتثّ أصله وفرعه ، فاهتبل فيما قدّر غرّة ، وحمل ولم يكن - بحمد اللّه - ما استشعره مرّة ، فتنادى المسلمون بشعارهم المنصور ، وأقبلوا عليه وعلى من معه في حال « 1 » مؤذنة بالظهور والوفور ، فتواقف قليلا الجمعان ، وتجاول مليّا الفريقان ، وللسيوف حكمها ، ومن الحتوف حدّها المفهوم ورسمها ، ثم صدق أمير المسلمين وناصر / الدين - أيده اللّه - الحملة ، وصدم في جمع لم يكثر عدد « 2 » الجملة ، فلم يلبث أعداء اللّه أن ولّوا الأدبار ، واستصرخوا الفرار ، واتبعهم « 3 » خيل المسلمين - نصرهم اللّه - بقية اليوم والليلة ، تقتلهم في كلّ غور ونجد ، وتقتضي أرواحهم على حالين من كالئ ونقد « 4 » ، ولم يخلص منهم على أيدي المتّبعين - آجرهم اللّه - إلا من سيلتهمه البعد « 5 » ، ويأتي على حشاشته الجهد ، وأمّا محلّتهم فانتهبت في أوّل وهلة ، وشربت بأسرها في نهلة « 6 » .
وفي فصل منها :
ولم يصب بحمد اللّه من المسلمين - وفرهم اللّه - على هول المقام ، وشدّة الاقتحام « 7 » ، كثير ، ولا مات من أعلامهم « 8 » تحت تلك الجولة إلا عدد يسير ، فإن كان اذفونش - لعنه اللّه - لم يمت تحت السيوف بددا ، فسيموت لا محالة أسفا وكمدا ، ونحمد اللّه على ما يسّره من هذا الفتح الجليل وسنّاه ، ومنحه من هذا الصنع الجميل وأولاه .
قول أبي بكر فيما كتب به عن المعتمد يومئذ : « ولم يصبني إلا جرح أشوى » تواتر النبأ أنه جرحت يده في ضنك ذلك المأزق .
وقيل في يوم الجمعة أشعار سارت بالمغارب والمشارق .
أخبرني أبو بكر الخولاني المنجم قال : كتب إليّ أبو عبد اللّه ابن عبادة « 9 » / من
هامش
( 1 ) المسالك : بحال .
( 2 ) المسالك : عدده ؛ ل : يكثره .
( 3 ) المسالك : واتبعتهم .
( 4 ) الكالئ : النسيئة والسلفة ، والنقد : الدفع المعجل .
( 5 ) المسالك : إلا من تراخى به عنان البعد .
( 6 ) المسالك : في فرد نهلة .
( 7 ) المسالك : الالتحام .
( 8 ) م ل : أعاليهم .
( 9 ) يعني أبا عبد اللّه محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز .