وأوّل من حسّن الفرار ، فما وقع ولا طار « 1 » ، الملك الضّليل حيث يقول « 2 » :
وما جبنت خيلي ولكن تذكّرت * مرابطها من بربعيص وميسرا « 3 »
ثم تتابع الشعراء في خدع العقول ، بالتمويه المستحيل ، فمن محسّن برّز ، ومن مقصّر عجّز ، ومن أحسن ما ورد في ذلك قول حسان « 4 » :
/
نولّيها الملامة إن ألمنا * إذا ما كان مغث أو لحاء « 5 »
ونشربها فتتركنها ملوكا * وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
الأبيات ، حتى قال الحارث بن هشام قطعته في حسن الفرار ، التي صارت نهاية في العجب ، وشهادة في تحسين نتائج الهرب ، وهي قوله « 6 » :
اللّه يعلم ما تركت قتالهم * حتى علوا فرسي بأشقر مزبد
ونشيت ريح الموت من تلقائهم * في مأزق والخيل لم تتبدّد
وعلمت أني إن أقاتل واحدا * أقتل ، ولا يضرر عدوّي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم سرمد
وسمعها بعض العجم فقال : قاتلكم اللّه معشر العرب ، حسّنتم كلّ شيء حتى الفرار .
ومن أسحر « 7 » ما ورد في ذلك للألباب ، وأخدعه عن الصواب ، قول ابن الرومي في سوداء ، وقد تقدم في ما مرّ من الكتاب « 8 » :
أكسبها الحبّ أنها صبغت * صبغة حبّ القلوب والحدق
هامش
( 1 ) م : عار .
( 2 ) ديوان امرئ القيس : 70 .
( 3 ) قيل : إن بربعيص بنواحي حلب ؛ وفيها وفي ميسر كانت وقعة فيما يبدو .
( 4 ) ديوان حسان 1 : 17 .
( 5 ) المغث : القتال ؛ اللحاء : السباب ؛ ألمنا : فعلنا ما نلام عليه .
( 6 ) حماسة البحتري : 50 ، ونسب قريش : 302 ، والسيرة 2 : 18 ، والعقد 1 : 40 .
( 7 ) م : أبهر .
( 8 ) انظر : زهر الآداب : 230 ، وتشبيهات ابن أبي عون : 236 ، والقسم الأول من الذخيرة : 150 ، والغيث 2 : 160 .