جزل أحطت بخبره فوجدته * كالخمر لكن ليس فيه خمار
نادت تحالفه العلا فأجابها * ألا تفرّق ما أضاء نهاء
آها وإنّ من التوجّع آهة * لو حمّ أن يدنو إليك مزار
فأبثّ من أمري الخفيّ وراحة * للنفس في أن تطلق الأسرار
خذها كما اعتدلت أنابيب القنا * ميزي الثّقاف لها وذهني النّار [ 1 ]
قوله :
« فعليّ من ذاك الغبار خمار »
في صفة الشّيب كقول ابن المعتزّ [ 2 ] :
« هذا غبار وقائع الدهر »
وقد تقدّم هذا المعنى بما فيه .
وأخذه ( آخر ) فقال [ 3 ] :
قالت غبار قد علا * ك فقلت ذا غير الغبار
هذا الذي نقل الملو * ك إلى القبور من الديار
وله من أخرى : ولمّا ورد كتابه غاية الفصاحة ، ومنتهى البلاغة والملاحة ، قبّلته عشرا ، وأقبلته مني رأسا وثغرا ؛ وحين فضضت مسكة الخاتم [ 4 ] سقط بصري على شكل مشقّ خطّه فاندمج ، ووسّع بين أسطاره فانفرج . فيا للكتّاب من كتاب قصر وطال ، وجمد قلم كاتبه وسال ، نتيجة برهان مقدّمتاه الطبع والبراعة ، والجزالة والإصابة ، جمع بين مبدأ البلاغة [ 5 ] وآخرها ، في سحاءة طولها فتر ، وعرضها ظفر ؛ ولا غرو فمن علم الأصول استنبط الفروع ، ومن انتقى القليل استغنى عن شغب [ 6 ] الجموع ؛ ولذلك جعلته إماما أحتذيه ، ومثالا أماثله وأقتفيه . ولو أسهبت هكذا أبدا ما بلغت غاية الوصف ، ولا أعطيته من حقّه النّصف .
وله من أخرى فيمن حمل القلنسوة وأنهض إلى الشّورى ، وخاطب بها قاضي قطره : لم يغب عنك - زاد اللّه في توفيقك - رحلة أحد القائمين بنشر علاك ، المطيّبين
هامش
[ 1 ] ورد هذا البيت في المغرب .
[ 2 ] البيت في ديوانه 4 : 210 ، وسيرد في القسم الرابع : 293 .
[ 3 ] هو أحمد بن أبي طاهر كما في الذخيرة 4 : 293 ، وزهر الآداب : 893 ، والمختار : 336 .
[ 4 ] ط : مسك الختام .
[ 5 ] ط : الغاية .
[ 6 ] ط : شعب .