ممّا أنا باك منه محسود [ 1 ] . أستغفر اللّه ! فقد حمي صدري حتى غلى مرجله ، وضاق مجال فكري حتى اتّسع في الشّكوى مقولة . ولو أنّي سلّمت لمواقع الأقدار ، وعلمت أنّه ليس على القدر اختيار ، ورضيت بما يأتي به اللّيل والنّهار ، وتيقّنت أنّ خلق الزمان عداوة الأحرار ، لأرحت قلبا يتقلّب في جمر الأسى ، وأذكرت لبّا قد نسي الاقتداء بالأسى .
ومن شعره
أنشد له الفقيه [ الزّاهد ] المذكور في الزّهد :
صرّف بقايا العمر في طاعة * ولا يغرّنّك كيد الغرور
وارحل إلى الأخرى بزاد التّقى * فإنّما الدّنيا متاع الغرور
قال : وخرجنا معه إلى ربوة تعرف بالعقاب مشرفة على وادي مالقة ، فقال بديهة [ 2 ] :
ضحك الزمان بحسنه وبهائه * كالصبّ يضحك بعد [ 3 ] طول بكائه
وكأنّ إقبال الربيع بوصله * وصل الحبيب أتاك بعد جفائه
وكأنما وادي العقاب عشيّة * مستمطر دمعي بجرية مائه
وكأنّ رشح الطلّ في روض الرّبى * رشح الخدود بدا بنار حيائه
قال : وهبطنا إلى الوادي فلم نجد ماء ، فحفرنا في الرّمل حتى خرج الماء من قاعه ، فقال :
أيّها الحسي الذي جا * د بماء دون منع
إن تخف غيضا من ال * قيظ فهذا فيض دمعي
قال : وطبخنا له مرّة شراب تفاح فوجد فيه رائحة ثوم ، فقال :
دهيت يا قوم بأعجوبة * لم تك في الزّنج ولا الرّوم
شراب تفّاح تخيّرته * فعاد مطبوخا من الثّوم
هامش
[ 1 ] من قول المتنبي ؛ما ذا لقيت من الدنيا وأعجبه * أني بما أنا باك منه محسود[ 2 ] الأبيات في أدباء مالقة : 179 .
[ 3 ] ط : منه ؛ ب : منذ ؛ م : منك .