رأيت غرّة الفجر تلمع في كفل الدّجى ، فخلته بحرا تسرّب فيه جدول ، أو / عجاجا سلّ من تحته منصل ؛ فقمت ثابتا على قصده [ 1 ] ، فلم ألبث أن سمعته ينشد ويطلب منزلي ، فقرع الباب وأذنت له فدخل ، فرحّبت به ، وقمت إليه ، وأقبلت عليه ؛ فقال لي : يا ابن الكرام ، إنّ هذا يوم قد بكى ماء غيمه ، ونبض عرق برقه ، وخفق قلب رعده ، واغرورقت مقلة أفقه ، ونحن لا نجد الخمر ، فبم نقطع تأويبه ؟ فقلت : الرأي إلى سيّدي أبقاه اللّه ، فقال لي : كيف ذكرك لرجال مصرك ، ووقوفك على شعراء عصرك ؟ قلت : خير ذكر .
فقال : من أعذبهم لفظا ، وأرجحهم وزنا ؟ قلت : الرقيق حاشية الظّرف ، الأنيق ديباجة اللطف ، أبو حفص ابن برد . قال : فمن أقواهم استعارات ، وأصحّهم تشبيهات ؟ قلت :
البحر العجّاج ، والسراج الوهّاج ، أبو عامر ابن شهيد . قال : فمن أذكرهم للأشعار ، وأنظمهم للأخبار ؟ قلت : الحلو الظريف ، البارع اللطيف ، أبو الوليد ابن زيدون . قال :
فمن أكلفهم بالبديع ، وأشغفهم بالتقسيم والتتبيع ؟ قلت : الراتع في روضة الحسب ، المستطيل بمرجة الأدب ، أبو بكر إبراهيم بن يحيى [ 2 ] الطّبني ، فأنشد :
وخاطب قسّا في عكاظ محاورا * على البعد سحبان فأفحمه قسّ
فصل في ذكر الأديب أبي بكر بن ظهار [ 3 ]
وإثبات جملة ممّا وجدت له من الأشعار :
وكان أبو بكر هذا من فتيان الأدباء في ذلك الأوان ، ثم اعتبط وماء معرفته غير ممتاح ، وركن إبداعه غير مراح ، في شرخ شبيبته وأوان ظهوره ، ولولا ذلك لبزّ أهل الآفاق [ 4 ] ، رقة وحسن مساق . وأكثر ما وجدت من شعره ففي مدح أبي المغيرة ابن حزم ، إذ كان قد ميّزه تمييز مثله من صيارفة النّثر والنّظم . وحدّثت عن بعض من جعل الانتجاع بهذا العلق الذي نحن في إقامة أوده [ من أجلّ ذخائره وعدده ] ، أنّه انتجع أبا بكر ابن ظهار ، وكان من الإقلال في غاية ، ومن قلة ذات اليد في نهاية [ 5 ] ، وقصده في ذلك
هامش
[ 1 ] ب م : بانيا على قصوره ؛ ب : قصوده .
[ 2 ] في ب م ؛ يحيى بن إبراهيم ؛ والصواب ما أثبته وهو إبراهيم بن يحيى بن محمد بن حسين بن أسد التميمي ، وكان صديقا للفقيه أبي محمد ابن حزم ، توفي سنة 461 ( الجذوة : 149 ، والبغية رقم : 531 ، والصلة : 96 ) وهو ابن عم عبد الملك بن زيادة اللّه الذي تقدمت ترجمته ، يلتقيان في « حسين » .
[ 3 ] ذكره ابن سعيد ( المغرب 2 : 281 ) ونسبه إلى لورقة ، وكذلك ورد ذكره في المسالك 11 : 407 ، وكلا المصدرين يعتمد على الذخيرة .
[ 4 ] ط : لبز أهل عصره .
[ 5 ] ط : وكان من ذوي الأقتار .