وما تكلّمت إلّا قلت فاحشة * كأنّ فكّيك للأعراض مقراض
وهذا بالمقص أشبه ، وعلى تفاهة قدره أنبه . ولم أسمع في المقصّ أحسن من قول ابن الرّومي أيضا يصف قوّادة :
تسعى لكي تجمع وسطيهما * كأنّها مسمار مقراض
وسمّيت المقصّ لملازمتها القصاص ، وهو أطراف الشّعر .
وقال ابن فتوح في صفة نحلة :
وطائرة تخفى كأنّ جناحها * ضمير خفيّ لا يحدّده وهم
منافرة للإنس تأنس بالفلا * مرقرقة للشّهد من بعضها السّمّ
فأدناؤها رشد وهتك حجابها * إذا احتجبت في غير إبّانها ظلم [ 1 ]
وحدّث ابن فتوح أيضا عن نفسه قال : كنت ليلة في رمضان أطوف بالمسجد الجامع بالمريّة سنة ثلاثين [ 2 ] ، وإذا فتى حسن المنظر ، فسلّم عليّ سلاما ارتاحت له نفسي ، وانشرح له صدري ، فرددت عليه ردّ من توسّم فيه سمة الفهم ، فقال لي : بحرمة الأدب إلّا ما أعدت عليّ البيت ، فأعدته ، وأنشدت سائر الأبيات ، فقال : الشّعر ( لك ؟
قلت : أجل ) ؛ ثم قال لي : إنّما أخذته من قول العبّاس بن الأحنف [ 3 ] :
وأحسن أيام الهوى يومك الّذي * تروّع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضى * فأين حلاوات الرّسائل والكتب ! ؟
فقال : وريت بك زنادي ، فأخبرني عن السّبب الموجب لترديدك البيت ، قلت له :
منيت بخلّ مولع بالخلاف ، مائل إلى قلّة الإنصاف ، إن لاينته غضب ، وإن استعتبته عتب ، وقد علم اللّه شفقة نفسي لفرقته ، فقال : قلّب اللّه لك قلبه ، وجنّبك عتبه . ثم ولّى عنّي وقد غرس في كبدي ثمرة ودّه ، فبتّ الليلة مستأنسا بخياله ، جذلان بوصاله ، حتّى
هامش
[ 1 ] هنا تنتهي الترجمة في ط .
[ 2 ] أقدر أن هنا سقطا في النص ، لا يتم المعنى دونه ، كأن يقال : « وأنا أردد قولي . . . » وأنه لا بد من إيراد البيت المقصود ، وذلك ينسجم مع قوله من بعد : « بحرمة الأدب إلا ما أعدت عليّ البيت » .
[ 3 ] ليس الشعر للعباس بن الأحنف ، وإنما ينسب تارة لعلية بنت المهدي ( الأغاني 10 : 185 ، والفوات 3 : 125 ) وتارة لأبي حفص الشطرنجي ( الأغاني 22 : 51 ، والفوات 3 : 136 ) وكان الشطرنجي قد نشأ في دار المهدي وكان يقول الأشعار لعلية فتنتحلها .