كأنما مقلته [ 1 ] * من فعله تعتذر
الحسن فيه كامل * وفي الورى مختصر
وليست يد ابن برد فيه عن مرماه بقاصرة ، ولا صفقته حين جاراه بخاسرة ، بل ساواه وزاد ، وأجاد ما أراد . ألا ترى قول ابن المعتز على تقدّمه : « قد همّ أو نمّ [ 2 ] عليه الشّعر » لا يكاد يخرج عن لفظ العامّة ، وابن برد جمع في بيته بين بابين من أبواب البديع :
فجانس بين الشّارب والشّارب ، وأنبأ أنّ محبوبه في آخر درجة من المرودة [ 3 ] وأوّل درجة من اللّحية ، بإشارة عذبة وعبارة حلوة رطبة ، دون تطويل ، ولا تثقيل ؟ وقول ابن برد :
« وامزج بماء الذّهب المنبتا » - [ يعني بذلك الفضّة ، والمنبت مولّد ليس من كلام العرب ] [ 4 ] - ينظر إلى قول الصنوبريّ [ 5 ] :
وليلة كالرّفرف المعلم * مخفوفة الظلماء بالأنجم
تعلّق الفجر بأرجائها * تعلّق الأشقر بالأدهم
عدلت فيها بين خمرين من * خمر العناقيد وخمر الفم
تناول الجام يدي من يد [ 6 ] * موشيّة الرّاحة والمعصم
شبّهت ذوب الرّاح في جامها * بذوب دينار على درهم
وإن كان الصنوبريّ أراد غير ما ذهب إليه ابن برد ، لأنه أمر محبوبه أن يمزج له مدامة صفراء بماء زلال ، والصنوبريّ شبّه ذوب الرّاح في كأسها بذوب الذّهب [ وشبّه الكأس بالدرهم ، فعلم ابن برد الإشارة ، وأنّ الخمر إذا اصفرّت شبّهت بالذهب ] والمنبت إذا ذوّب أشبه الماء ، فناسب قول الصنوبري على هذه الإشارة . وقد نحا هذا النحو [ بعض أهل أفقنا ] وهو أبو علي الحسن بن حسّان [ 7 ] المعروف بالسناط
هامش
[ 1 ] الصولي : ألحاظه .
[ 2 ] ب م : نم أو هم .
[ 3 ] ط : المردة ؛ ب م : المرودية .
[ 4 ] نقل الخفاجي في شفاء الغليل : 193 هذا التفسير عن ابن بسام وزاد فيه : وعامة المغرب تسميها المنبوت .
[ 5 ] ديوان الصنوبري : 487 عن قطب السرور : 691 ومنها بيتان في نثار الأزهار : 70 ، ( سرور النفس : 86 ف 285 ) ، ونهاية الأرب 1 : 145 .
[ 6 ] الديوان : يدي .
[ 7 ] في النسخ : حسان بن الحسن ؛ وقد ترجم له الحميدي في الجذوة : 179 ( البغية رقم : 631 ) ، وابن سعيد في المغرب 2 : 37 نقلا عن المسهب باسم « الحسن بن حسان » وقد اشتهر في قرطبة أيام عبد الرحمن الناصر وله فيه مدائح ، وأصله من وادي الحجارة ؛ وقتل نفسه غيظا لأنه وجد امرأته مع رجل .