المحالة [ 1 ] ، ولم أستجز أن أكون ثالث الأذلين : العير والوتد [ 2 ] . وذكرت أن الفرار من الظلم ، والهرب ممن لا يطاق ، من سنن المسلمين ، وقد قال تعالى على لسان موسى :
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ
( الشعراء : 21 ) فنظرت في مفارقة الوطن ، إذ قديما ضاع الفاضل في وطنه ، وكسد العلق الغبيط في معدنه ، كما قال :
أضيع في معشري وكم بلد * يعود عود الكباء من حطبه
واستخرت اللّه في إنفاذ العزم ، وأنا الآن بحيث أمنت بعض الأمن ، إلا أن السعي لم يرتفع ، ومادة البغي لم تنقطع . وختم رسالته بهذا النظم [ 3 ] :
شحطنا وما للدّار [ 4 ] نأي ولا شحط * وشطّ بمن نهوى المزار وما شطوا
أأحبابنا ولت [ 5 ] بحادث عهدنا * حوادث لا عهد عليها ولا شرط
لعمركم إنّ الزمان الذي قضى * بشتّ جميع الشمل منّا لمشتطّ
وما شوق مقتول الجوانح بالصدى * إلى نطفة زرقاء أضمرها وقط [ 6 ]
بأبرح من شوقي إليكم ودون ما * أريد المنى منه القتادة والخرط
وفي الرّبرب الإنسي أحوى كناسه * نواحي ضميري لا الكثيب ولا السقط
ألا هل أتى الفتيان أنّ فتاهم * فريسة من يعدو ونهزة من يسطو ؟
وأنّ الجواد الفائت الشّأو صافن * تخوّنه شكل وأزرى به ربط ؟
عليك أبا بكر بكرت بهمّة * لها الخطر العالي ، وإن نالها حط
أبي بعد ما هيل التراب على أبي * ورهطي فذا حين لم يبق لي رهط
لك النعمة الخضراء تندى ظلالها * عليّ ولا جحد لديّ ولا غمط
ولولاك لم تقدح [ 7 ] زناد قريحتي * فينتهب الظلماء من نارها سقط
هرمت وما للشيب وخط بمفرقي * ولكن لشيب الهمّ في كبدي وخط
هامش
[ 1 ] ط : محالة ؛ وانظر فصل المقال : 299 ، والميداني : 176 .
[ 2 ] من قول الشاعر :ولا يقيم على ضيم يراد به * إلا الأذلان عبر الحي والوتد[ 3 ] ديوان ابن زيدون : 285 .
[ 4 ] ط : بالدار .
[ 5 ] الديوان : ألوت .
[ 6 ] الوقط : الحفرة في الصخر .
[ 7 ] ط : تثقب .