وقال أيضا في علته تلك [ 1 ] :
تأمّلت ما أفنيت من طول مدّتي * فلم أره إلّا كلمحة ناظر
وحصّلت ما أدركت من طول لذتي * فلم ألفه إلّا كصفقة خاسر
وما أنا إلا رهن ما قدّمت يدي * إذا غادروني بين أهل المقابر
سقى اللّه فتيانا كأنّ وجوههم * وجوه مصابيح النجوم الزّواهر
إذا ذكروني والثرى فوق أعظمي * بكوا بعيون كالسّحاب المواطر
يقولون : قد أودى أبو عامر العلا * أقلّوا فقدما مات آباء عامر
هو الموت لم يصرف بأجراس خاطب * بليغ ولم يعطف بأنفاس شاعر
ولم يجتنب للبطش مهجة قادر * قويّ ولا للضّعف مهجة صافر
يحلّ عرى الجبّار في دار ملكه * ويهفو بنفس الشارب المتساكر
وليس عجيبا أن تدانت منيّتي * يصدّق فيها أوّلي أمر [ 2 ] آخري
ولكن عجيبا أن بين جوانحي * هوى كشرار الجمرة المتطاير
يحرّكني والموت يحفز مهجتي * ويهتاجني والنفس عند حناجري
وبلغني أن آخر شعر قاله يودّع إخوانه هذه الأبيات [ 3 ] :
أستودع اللّه إخواني [ 4 ] وعشرتهم * وكلّ خرق إلى العلياء سبّاق
وفتية كنجوم القذف نيّرهم * يهدي ، وصائبهم يودي بإحراق
وكوكبا لي منهم كان مغربه * قلبي ، ومشرقه ما بين أطواقي
اللّه يعلم أني ما أفارقه * إلا وفي الصدر مني حرّ مشتاق
كنّا أليفين خان الدّهر ألفتنا * وأي حرّ على صرف الردى باقي
فإن أعش فلعلّ الدّهر يجمعنا * وإن أمت فسيسقيه كذا السّاقي
لا ضيّع اللّه إلا من يضيّعه * ومن تخلّق فيه غير أخلاقي
قد كان بردي إذا ما مسني كلف * لا يثلم الحبّ آدابي وأعراقي
هامش
[ 1 ] ديوانه : 113 .
[ 2 ] س ب : أول الأمر .
[ 3 ] ديوانه : 129 .
[ 4 ] س : أصحابي .