وكتبت بديهة [ 1 ] :
مرض الجفون ولثغة في المنطق * سيّان جرّا عشق من لم يعشق
من لي بألثغ لا يزال حديثه * يذكي على الأكباد جمرة محرق
ينبي فينبو في الكلام لسانه * فكأنّه من خمر عينيه سقي
لا ينعش الألفاظ من عثراتها * ولو انّها كتبت له في مهرق
ثم قمت عنهم فلم ألبث أن وردوا عليّ ، وأخبروا أنّ أبا جعفر لم يرض ما جئنا به من البديهة ، وسألوني أن أحمل مكاوي الكلام على حتاره ، وذكروا أنّ إدريس هجاه [ 2 ] فأفحش ، فلم أستحسن الإفحاش ، فقلت فيه معرّضا إذ التعريض من محاسن القول :
أبو جعفر رجل كاتب * مليح شبا الخطّ حلو الخطابه
تملأ شحما ولحما وما * يليق تملّئوه بالكتابة
وذو عرق ليس ماء الحياء * ولكنّه رشح فضل الجنابة
جرى الماء في سفله جري لين * فأحدث في العلو منه صلابه
[ قال ابن بسّام : وليت شعري ما التصريح عند أبي عامر إذا سمّى هذا تعريضا ؟
ولولا أنّ الحديث شجون ، والتتابع فيه جنون ، والكلام إذا لان قياده ، سهل اطّراده ، وإذا قرب بعضه من بعض ، لم يفرّق فيه بين سماء وأرض ، لما استجزت أن أشين كتابي بهذا الكلام البارد معرضه ، البعيد من السّداد غرضه ، وقد يطغى القلم ، وتجمح الكلام .
وقوله :
جرى الماء في سفله جري لين
يشبه قول الآخر ، وضمن بيت النابغة [ 3 ] :
يا سائلي عن خالد ، عهدي به * رطب العجان وكفه كالجلمد
« كالأقحوان غداة غبّ سمائه * جفّت أعاليه وأسفله ندي »
وقوله :
هامش
[ 1 ] ديوانه : 132 وهي فيما عدا الثاني في الشريشي 3 : 28 .
[ 2 ] ط : سماه ؛ وإدريس هو ابن اليماني العبدري اليابسي ، وقد أثبت ابن ظافر ( بدائع البداية : 84 ) أبياتا هجا فيها إدريس أبا جعفر ابن عباس .
[ 3 ] انظر رفع الحجب 1 : 97 وينسب الشعر لابن الرومي ، وليس في ديوانه .